بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
وطن الجراكسة هو الأرض المشرفة على البحر الأسود من جهة الشمال الشرقي، ولا تزال تعرف بهذا الاسم إلى اليوم.
ونتيجة للصراع الذي كان دائرًا بين مغول فارس ومغول القفجاق جعل أعدادًا من أبناء الجراكسة تدخل سوق النخاسة وتنتقل إلى مصر.
فاشترى السلطان المنصور قلاوون أعدادًا منهم ليتخلص من صراع المماليك البحرية وليضمن الحفاظ على السلطنة له ولأبنائه من بعده.
وقد أطلق على هؤلاء المماليك الجدد المماليك الجراكسة نسبة إلى أصولهم التي ينتمون إليها، كما أطلق عليهم اسم المماليك البرجية نسبة إلى القلعة التي وضعوا فيها.
وقد حرص المنصور قلاوون على تربية مماليكه التربية الدينية والعسكرية في وقت واحد، ولم يسمح السلطان لهؤلاء المماليك بمغادرة القلعة مطلقًا.
ولما توفي المنصور قلاوون وخلفه ابنه الأشرف خليل سمح لهؤلاء المماليك بالنزول من القلعة أثناء النهار والعودة ليلاً، وبعد مدة أصبحت أعداد هؤلاء الجراكسة كثيرة، وغدوا أصحاب رتب عسكرية ومنهم الأمراء والقادة واستطاعوا أن يتسلموا السلطة ويحكموا البلاد[1].
ولما كان هؤلاء كلهم بمستوى واحد فقد سادهم جو من الحسد كما ساد من سبقهم من المماليك.. فكان القتال بينهم ومحاولة استلام السلطة، فما أن يصل أحدهم إلى السلطنة حتى يحاول أن يؤسس أسرة حاكمة غير أن آخر لا يلبث أن يقبض على سابقه وخاصة الصغار منهم فيخلعه أو يقتله ويقوم مقامه.
حكم المماليك الجراكسة مصر والشام والحجاز مدة تزيد على مائة وإحدى وثلاثين سنة، من العام 792 حتى 923هـ، وقد تعاقب في هذه المدة أكثر من سبعة وعشرين سلطانًا، ويلاحظ أن السلطان كان يسلم الأمر ويحكم مدةً ثم يعهد لابنه من بعده وغالبًا ما يكون صغيرًا فيكون عليه وصيًا أو نائبًا عنه أو مُدّبرًا لأمور المملكة -وهو من المماليك أيضًا- ثم لا يلبث أن يقوم بالاستبداد بالسلطنة وخلع السلطان المعهود إليه بالأمر أو قتله، لذلك لم تكن هناك أسرة تولت السلطنة إلا الظاهر برقوق الذي حكم ولده المنصور فرج سبع سنوات ثم خُلِع، وأعطيت السلطنة لولده الثاني المنصور عبدالعزيز مدة ثلاثة أشهر ثم أُعيد المنصور فرج فحكم سبع سنوات أُخرى..
كما أنه يلاحظ في آخر خمسة سلاطين أن نتيجة القتل هي السائدة، فقد خُلِع الظاهر قانصوه بعد سنة من تسلمه أمر السلطنة رغم أنه جديد، وقتل جامبلاط قبل مرور سنة من تسلمه السلطنة رغم أنه جديد أيضًا.
ولما عُرِضَ أمر السلطنة على الأشرف قانصوه الغوري رفضه وبكى خوفًا من القتل رغم أن سنه كانت تزيد على الستين.. ولم يتسلم الأمر إلا بشرط ألا يقتلوه ولكنه قُتِل على يد العثمانيين بعد أن حكم سبع عشرة عامًا.
وكانت عاقبة خلفه طومان باي مثله إذا قتله العثمانيون بعد معركة الريدانية عام 923هـ ودخلوا القاهرة وأزالوا المماليك من السلطنة وتنازل لهم العباسيون عن الخلافة[2].
وانتقلت بذلك أنظار العالم الإسلامي إلى استانبول التي غدت مركزًا للخلافة وتحولت عن القاهرة التي أصبحت مدينة عادية كغيرها من حواضر أمصار العالم الإسلامي، ودرجت مع مراكز الخلافة السابقة مثل بغداد ودمشق.
وإذا كان السلطان الظاهر برقوق قد تسلم للمرة الأولى مدة سبع سنوات من العام 785هـ حتى 791هـ ثم قبض عليه وسُجِن بالكرك، وأعيد السلطان المنصور حاجي لمدة سبعة أشهر.. ثم رجع الظاهر برقوق إلى السلطنة.. فإن مدة سلطنة الظاهر برقوق الأولى لم يعدها صاحب الموسوعة ضمن حكم المماليك الجراكسة؛ لأن حكمه قد حدث فيه انقطاع وإنما بدأ تدوين أيامهم بعودة الظاهر برقوق للسلطنة في المرة الثانية حيث استمر حكم السلطنة دون انقطاع حتى انطوت أيامهم[3].
ويظهر مما سبق أن تاريخ الدولة المملوكية كان ممتلئ بسلاطين نصبوا نفسهم بعدما تمكنوا من السلطة الفعلية وجعلوا السلطان مجرد لعبة في أيديهم إلى أن يقدروا على خلعه، إما بنفيه أو بقتله لو لم يسالم ويتنحى، ويتولى أميرهم بدلاً منه، مثلما حدث للسلطان السعيد بركة بن الظاهر بيبرس الذي عزله السلطان قلاوون وولي بدلاً منه أخيه الأصغر العادل بدر الدين سلامش، إلى أن تمكن هو ومماليكه وعزلوه، وتربع قلاوون على العرش، ومثلما حدث لابنه السلطان الناصر محمد من كتبغا وبيبرس الجاشنكير، وتلك أمور كانت تحدث في العصر المملوكي وكل دول العالم.
ولم تكن السلطنة في العصر المملوكي بالتوريث، ومن المؤكد وجود أبناء للسلاطين يورثوا الحكم كالسلطان السعيد بركة وسلامش أنجال الظاهر بيبرس، ومن بعده أولاد وأحفاد السلطان قلاوون، ولكن العادة كانت تحتم أن يجلس أولاد السلاطين إلي أن تهدأ الأمور، وبعد ذلك يخلعوا ويجلس بدلاً منهم أمير قوي، الذي يكون نائبًا للسلطان ويكون هو الحاكم الحقيقي.
أما أهم إيجابيات هذا العصر فتمثلت في وقوفهم سدًا منيعًا لصد هجمات التتار والصليبين حيث كان للمماليك جهاد طويل على مدى تاريخهم ضد هاتين القوتين، وهكذا ظلت دولة المماليك تحمل راية الإسلام والخلافة الإسلامية في الأرض قرابة ثلاثة قرون، إلى أن تسلمتها الخلافة العثمانية.
________________________________________
[1] موسوعة التاريخ الإسلامي، لـ محمود شاكر، ج/7 ص/ 71.
[2] موسوعة التاريخ الإسلامي، لـ محمود شاكر، ج/7 ص/ 72-73.
[3] موسوعة التاريخ الإسلامي، لـ محمود شاكر، ج/7 ص/ 73.
إرسال تعليق