مقال بعنوان: المصلحة
بقلم
ا.د إبراهيم محمد مرجونة
في زاوية ما من حياتنا، نجد أنفسنا نكرر السؤال ذاته: لماذا يقترب البعض حين يحتاجون إلينا، ويختفون حين نحتاج إليهم؟
هذا السؤال ليس شكوى عابرة، بل نافذة واسعة على عالم العلاقات الإنسانية حين تصبح المصلحة هي البوصلة التي تُوجّه الخطوات، وتُرسم من خلالها حدود الاقتراب والابتعاد.
الإنسان بطبيعته كائن يسعى إلى تحقيق رغباته واحتياجاته، لكن الخطورة تبدأ حين تتحول هذه الدوافع إلى معيار يقيس به قيمة الآخرين ويُحدّد على أساسها من يقترب منهم ومن يبتعد. عند هذه النقطة تحديدًا تتحول العلاقات من كونها مساحة إنسانية للتفاعل الصادق إلى ساحة مقايضات خفية، تُمنح فيها المودة بقدر ما تُحقق من منفعة، وتُسحب حين تنتفي الحاجة.
وهنا يصبح الحضور الإنساني مشروطًا، فاقدًا لبراءته الأصلية؛ حضورًا مرهونًا بما يقدمه الآخر، لا بما يمثله.
ومع مرور الوقت، يكتشف المرء أن هذا النمط من العلاقات لا يصنع سندًا ولا يخلق انتماءً، بل يترك في الروح فراغًا لا يملؤه شيء، لأن أساسه لم يكن يومًا قيمة ثابتة، بل رغبة عابرة تُغيّر وجهها كلما تغيّرت المصالح.
إذ تصبح الابتسامات مرهونة بتوقيت المنفعة، والاهتمام مؤقتًا بقدر ما يحقق الآخر من مكاسب. وفي هذا قال الإمام علي بن أبي طالب عبارة مُفزعة العمق: "المصلحة أعمت الناس"؛ فحين تعمى الأبصار بالمكاسب، تتلاشى رؤية القيم والثبات والوفاء.
لقد وصف النبي محمد ﷺ المنافقين بأنهم يظهرون خلاف ما يُبطنون، كأن أقوالهم وأفعالهم تُضبط على إيقاع المصلحة. هذه الازدواجية ذاتها أشار إليها سقراط عندما قال: "النية السيئة والتصرفات السيئة، لا تُبنى إلا على خيانة النفس"؛ فهي خيانة تبدأ من الداخل، قبل أن تُصبح خيانة للعلاقة نفسها.
وما أكثر ما أكّد التراث العربي على هذه الحقيقة حين قال: "الصاحب وقت الضيق ما تُفقه"؛ لأن الرفاق الذين لا يختبرهم الشدائد، يشبهون ظلالاً تظهر في الضوء وتختفي عند أول غياب للشمس. فالعلاقات القائمة على المنفعة فقط، مهما بدت متينة في الظاهر، فإنها هشّة، كمن يمشي على جليد رقيق. تتغير الظروف، فتتبدد الوعود، وتذبل المودة، وينكشف الجوهر.
ويقول الكاتب إبسن: "الأصدقاء الحقيقيون يذهبون معك إلى قاع المحيط، أما الانتفاعيون فهم أول من يهرب". وكم تحمل هذه الكلمات من صدق؛ فالبعض يقترب حين يكون قربه مكسبًا، ويتراجع حين يصبح وجوده عبئًا أو بلا فائدة.
كلما اتسعت طيبة الإنسان وامتلأ قلبه بالنقاء، زادت احتمالات أن يقع فريسة لأولئك الذين يتقنون فن الظهور عند الحاجة فقط. لذلك قال العرب: "إذا أردت أن تعرف الناس، فأعطِ لهم سلطانًا أو مالًا"؛ فالمصلحة تكشف ما كان مختبئًا خلف الأقنعة.
إن الوعي بهذه الحقيقة ليس دعوة للانسحاب من العالم، بل دعوة للتحصّن بالحكمة. أن نُحسن اختيار من نُقربه منا، وأن نبني جسورًا من الثقة لا تُهدم بمجرد أن تُطفأ أضواء المنفعة. فالعلاقات التي تستند إلى الاحترام والصدق وحدها هي التي تصمد أمام تبدّل الأيام.
وتبقى الحكمة القديمة صادقة: "لا تأمنن إنسانًا بعد المصلحة، فإن المصلحة تغير المودة".
فالوجود قربنا لا يعني دائمًا محبة، وربما يدل أحيانًا على حاجة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نفقد إيماننا بالإنسان، بل فقط أن نُعمّق بصيرتنا. فحين نعي طبيعة العلاقات، نكف عن منح قلوبنا لمن لا يعرف قيمتها، ونبقى محاطين بمن يقتربون لأنهم يريدوننا، لا لأنهم يريدون ما عندنا.
هذه البصيرة وحدها هي التي تحفظ كرامتنا، وتعيد للعلاقات معنا معناها الأصيل: علاقة لا تصنعها المصلحة، بل يبنيها الصدق ويصونها الوفاء.
إرسال تعليق