بين تعلقين: قلوبٌ تتعلق… وقلوبٌ تتحرر

بين تعلقين: قلوبٌ تتعلق… وقلوبٌ تتحرر

 


 


بين تعلقين: قلوبٌ تتعلق… وقلوبٌ تتحرر

بقلم: فاطمة زيدان

محاضر بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا

والباحثة في التاريخ والتراث

 

يُعد التعلق من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدًا وصدقًا في آنٍ واحد، فهو انعكاس مباشر لطبيعة الإنسان الوجدانية وحاجته الفطرية إلى الحب والأمان والانتماء، إذ يميل بطبعه إلى الارتباط والبحث عن السكينة في الآخر. غير أن هذا الميل، رغم فطرته وضرورته، قد ينحرف أحيانًا عن توازنه، فيتحول إلى عبءٍ نفسي حين يُختزل الأمان في طرفٍ بشري محدود، فيغدو مصدر قلق بدل أن يكون مصدر طمأنينة. وهنا تتباين التجارب الإنسانية؛ فبين قلوبٍ تتعلق بالبشر حتى تذوب فيهم، وقلوبٍ تتحرر حين تتعلق بالله فتجد فيه كمال السكينة، تتجلى حقيقة التعلّق بين النقص البشري والكمال الإلهي.
      يعد التعلق بين البشر ظاهرة فطرية، تنشأ من حاجة الإنسان إلى الحب والانتماء. غير أن هذه العلاقة قد تنحرف حين يتحول التعلق إلى اعتماد كامل على الآخر، بحيث يُصبح وجوده شرطًا للشعور بالقيمة أو الاستقرار. وهنا يظهر ما يُعرف بالتعلق المرضي، الذي يتجلى في الخوف المفرط من الفقد، والتعلق الزائد، والتضحية غير المتوازنة.

ومن المفارقات النفسية أن الإنسان، حين يشعر بأن الطرف الآخر قد أصبح متعلقًا به بشكل زائد، قد يلجأ إلى الهروب أو النفور، لأنه يُدرك في قرارة نفسه عجزه عن تلبية هذا الاحتياج المطلق. فالإنسان محدود، لا يستطيع أن يكون مصدر الأمان الكامل لغيره، ولا أن يملأ فراغًا داخليًا لا يُملأ إلا بما هو أوسع من حدود البشر.

على النقيض من ذلك، يأتي التعلق بالله بوصفه التعلق الوحيد الذي لا يختل، ولا يُرهق الطرف الآخر، بل يزيده قربًا. فالله سبحانه وتعالى لا ينفر من عبده إذا تعلق به، بل يحب ذلك، ويُقابل القرب بقربٍ أعظم.

وقد جاء في الحديث القدسي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم.

 وهو ما يؤكد أن العلاقة مع الله قائمة على القرب المتبادل والرحمة الواسعة.

وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: "في القلب فاقةٌ لا يسدّها إلا الله، وفيه شعثٌ لا يلمّه إلا الإقبال عليه"، وهي عبارة تختزل حقيقة عميقة، مفادها أنّ كل تعلق بغير الله يظل ناقصًا، مهما بدا مكتملًا.

كما يشير أبو حامد الغزالي إلى أن التعلق بالمخلوق إذا تجاوز حده أفسد القلب، لأن القلب خُلق ليكون متعلقًا بالمطلق، لا بالمحدود.


     هنا تكمن المفارقة في أن الإنسان حين يتعلق بإنسانٍ مثله، فإنه يطلب منه ما لا يملك: الثبات، والكمال، وعدم التغير. أما حين يتعلق بالله، فإنه يتوجه إلى من لا يتغير ولا يزول. فالتعلق بالبشر محدود بحدودهم، بينما التعلق بالله ممتد إلى الكمال المطلق. الأول قد يُفضي إلى القلق والخذلان، والثاني يورث السكينة والاطمئنان. الأول يجعل الإنسان أسيرًا للآخر، والثاني يحرره من كل قيد.


ليس المطلوب من الإنسان أن يتجرد من مشاعره أو أن ينقطع عن الناس، بل أن يُعيد ترتيب مركز قلبه لدى الآخر بأن يحب، دون أن يذوب، وأن يرتبط، دون أن يفقد ذاته، فحين يكون الله هو الأصل في التعلق، تصبح سائر العلاقات امتدادًا صحيًا لا عبئًا خانقًا. وحين يُخطئ الإنسان في توجيه قلبه، يبحث عمن يُنقذه، بينما النجاة الحقيقية تبدأ حين يُدرك أن ما يبحث عنه في الناس، إنما هو في الأصل عند الله.

فالتعلّق بالله ليس هروبًا من الواقع، بل هو الطريق الوحيد لفهمه والاتزان فيه؛ لأنه وحده التعلق الذي كلما ازداد… لم يُثقِل القلب، بل يحرره.

 

 

 

ينطوي التعلق الإنساني على قدرٍ من التعقيد الذي يجعل الحكم عليه أمرًا غير منصف في كثير من الأحيان؛ إذ إن القلب حين يتعلق لا يفعل ذلك عن اختيارًا واعيًا بقدر ما يستجيب لحاجة عميقة منه إلى الأمان والسكينة، وكأنه وجد في الآخر موطنًا لراحته. ولا يُقصد بهذا التعلق ذلك النمط المرضي الذي يُقيد الطرف الآخر ويصادر حريته، فالتوازن يقتضي دائمًا ترك مساحة من الاستقلال لكل طرف. غير أن الإشكالية تبرز في نظرة المجتمع إلى من يتعلقون بعمق، حيث يُوصمون أحيانًا بالضعف أو المرض، بدلًا من النظر إليهم بوصفهم أفرادًا يحملون احتياجًا عاطفيًا لم يُشبع، أو فراغًا يحاولون ملأه بطريقتهم الخاصة.

ومن هنا يثور تساؤل جوهري: هل يُستحقّ هؤلاء الاحتواء والدعم حتى يستعيدوا اتزانهم، أم يُواجَهون بالنفور واللوم، فيتضاعف ما بهم من هشاشة؟ وفي المقابل، ورغم مشروعية رغبة الطرف الآخر في الحفاظ على حريته، إلا أنّ تجاهل الجانب الإيجابي في هذا التعلّق وهو كونه تعبيرًا عن محبة صادقة ورؤية الآخر كمصدرٍ للقيمة قد يُفضي إلى فتورٍ غير مبرّر، وربما إلى هروبٍ لا يراعي البعد الإنساني للطرف المتعلّق. وهكذا تظلّ العلاقة بين التعلّق والحرية محكومة بميزانٍ دقيق، يختلّ حين يغيب الفهم، ويستقيم حين يُقابل الاحتياج بالوعي، لا بالرفض.

 

ليس التعلق خطيئة ينبغي أن يُجلد صاحبها، كما أن النفور ليس قسوةً يُدان صاحبها بإطلاق؛ فكل طرف يتحرك من احتياجٍ مختلف.
أما المتعلق، فعليه أن يُدرك أن ما يبحث عنه في الآخر من أمانٍ وطمأنينة ينبغي ألا يُختزل في شخص واحد، لأن البشر يتغيرون ويضعفون، ولأن القلب إن علق كل آماله على إنسان، أثقله وأثقل نفسه معه. فالتعلق الصحي لا يُلغي الذات، بل يترك لها مساحة للنمو، ويجعل الحب إضافة لا تعويضًا عن نقص.

وأما المتعلق به، فعليه أن يتعامل بوعيٍ ورحمة، لا بنفورٍ أو استعلاء؛ فغالبًا ما يكون التعلق تعبيرًا عن احتياجٍ صادق، لا عن رغبة في التقييد. ومن الإنصاف ألا يُقابل هذا الاحتياج بالهروب المفاجئ، بل بالتوضيح الهادئ، ووضع الحدود دون جرحٍ أو قسوة. فأن تكون مصدر أمانٍ لشخص، ولو لوقت، ليس عبئًا يُهان، بل مسؤولية إنسانية تُدار بحكمة.

    وبين هذا وذاك، يبقى الميزان الدقيق قائمًا: لا حب بلا حرية، ولا حرية بلا مراعاة

وحين يلتقي الوعي بالرحمة، يتحول التعلق من عبءٍ مُرهق إلى علاقةٍ ناضجة، تُبقي القلب حيًّا دون أن تُثقله، وتمنح الإنسان قربًا لا يفقده ذاته



 

اكتب تعليق

أحدث أقدم