بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الْقَلْبَ هُوَ مَلِكُ الْأَعْضَاءِ وَالْقَائِدُ الْمُحَرِّكُ لِلْجَوَارِحِ، بِصَلَاحِهِ يَسْتَقِيمُ أَمْرُ الْعَبْدِ، وَبِفَسَادِهِ يَضِلُّ الطَّرِيقَ. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْبَلَايَا الَّتِي قَدْ تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ هِيَ "قَسْوَةُ الْقَلْبِ"، ذَلِكَ الدَّاءُ الْعُضَالُ الَّذِي يَحْجُبُ الْعَبْدَ عَنْ رَبِّهِ، وَيَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْعِظَةِ سَدّاً مَنِيعاً. فِي هَذِهِ الْمُحَاضَرَةِ ، نُبْحِرُ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ لِنَكْتَشِفَ أَسْبَابَ هَذِهِ الْقَسْوَةِ، وَعَلَامَاتِهَا، وَكَيْفَ نَسْتَعِيدُ رِقَّةَ قُلُوبِنَا بِنُورِ الْوَحْيِ وَهَدْيِ النُّبُوَّةِ.
وَإِذَا قَسَا الْقَلْبُ انْقَطَعَ عَنْ رَبِّهِ، وَإِنْ لَانَ رَقَّ وَاسْتَنَارَ، وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ مِنْ أَخْطَرِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ، وَأَشَدِّهَا فَتْكًا بِالدِّينِ وَالْإِنْسَانِ.
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَتِ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»
خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
● التَّعْرِيفُ الشَّرْعِيُّ وَاللُّغَوِيُّ:
* الْقَسْوَةُ فِي اللُّغَةِ: هِيَ الْغِلْظَةُ وَالصَّلَابَةُ، وَمِنْهَا "حَجَرٌ قَسِيٌّ" أَيْ صَلْبٌ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْمِعْوَلُ.
وَيُقَالُ: قَسَا الشَّيْءُ إِذَا اشْتَدَّ وَصُلُبَ بَعْدَ لِينٍ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْقَسْوَةُ الصَّلَابَةُ وَالشِّدَّةُ وَالْيُبْسُ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ خُلُوِّهَا مِنَ الْإِنَابَةِ وَالْإِذْعَانِ لِآيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى
* قَسْوَةُ الْقَلْبِ شَرْعًا:
هِيَ يُبُوسَةُ الْقَلْبِ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ، وَعَدَمِ تَأَثُّرِهِ بِالذِّكْرِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَانْعِدَامِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (سُورَةُ الزُّمَرِ: 22)
فَقَسْوَةُ الْقَلْبِ : حَالَةٌ تَعْتَرِي الْقَلْبَ تَجْعَلُهُ غَلِيظاً جَافاً، لَا تَنْفُذُ إِلَيْهِ الْمَوَاعِظُ، وَلَا يَلِينُ لِلْحَقِّ، وَلَا يَخْشَعُ لِذِكْرِ اللَّهِ، وَهِيَ خُرُوجُ الْقَلْبِ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ فِي اللِّينِ وَالرَّحْمَةِ.
قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: الْقَسْوَةُ فِي الْقَلْبِ ذَهَابُ اللِّينِ وَالرَّحْمَةِ وَالْخُشُوعِ مِنْهُ
● تَشْبِيهُ الْقُرْآنِ لِلْقَلْبِ الْقَاسِي بِالْحِجَارَةِ.
• لَمْ يَكْتَفِ الْقُرْآنُ بِوَصْفِ الْقَسْوَةِ، بَلْ ضَرَبَ لَهَا مَثَلًا مُرْعِبًا:
• تَشْبِيهُ الْقُرْآنِ لِلْقَلْبِ الْقَاسِي بِالْحِجَارَةِ:
• فَالْحَجَرُ قَدْ يَلِينُ، أَمَّا الْقَلْبُ الْقَاسِي فَلَا يَلِينُ!
* ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبْلَغَ الْأَمْثَالِ لِتَصْوِيرِ فَظَاعَةِ هَذِهِ الْحَالَةِ، فَجَعَلَ الْحَجَرَ -عَلَى صَلَابَتِهِ- أَلْيَنَ مِنْ قَلْبِ الْقَاسِي؛ لِأَنَّ الْحَجَرَ قَدْ يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ أَوْ يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، أَمَّا قَلْبُ الْقَاسِي فَلَا يَتَغَيَّرُ.
• قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الْبَقَرَةُ: 74].
● التَّحْذِيرُ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ
• قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)} [الْحَدِيدُ].
«يَقُولُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَمَا آنَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، أَيْ تَلِينَ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالْمَوْعِظَةِ وَسَمَاعِ الْقُرْآنِ، فَتَفْهَمَهُ وَتَنْقَادَ لَهُ، وَتَسْمَعَ لَهُ وَتُطِيعَهُ»
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، فَعَاتَبَهُمْ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ نُزُولِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} الْآيَةَ»
تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ.
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}، إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ حَذَّرَ الصَّحَابَةَ، وَهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ وَأَهْلُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَكَيْفَ بِنَا نَحْنُ فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي تَعَلَّقَ فِيهِ الْكَثِيرُ مِنَّا بِالدُّنْيَا وَانْتَشَرَتِ الْفِتَنُ، وَأَصْبَحَ الْوَاحِدُ مِنَّا يَعِيشُ غُرْبَةَ الدِّينِ؟ !
• لَقَدْ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِالَّذِينَ حَمَلُوا الْكِتَابَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، لَمَّا تَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَأَقْبَلُوا عَلَى الْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْأَقْوَالِ الْمُؤْتَفِكَةِ، وَقَلَّدُوا الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ: قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فَلَا يَقْبَلُونَ مَوْعِظَةً، وَلَا تَلِينَ قُلُوبُهُمْ بِوَعْدٍ وَلَا وَعِيدٍ
تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ.
● عَدَمُ التَّأَثُّرِ بِالْقُرْآنِ وَالْمَوَاعِظِ:
الْقَاسِي يَسْمَعُ آيَاتِ الْوَعِيدِ وَالْوَعْدِ وَكَأَنَّهَا لَا تَعْنِيهِ، وَيَمُرُّ عَلَى زَوَاجِرِ الْقُرْآنِ بِقَلْبٍ لَاهٍ.
• قَالَ تَعَالَى : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٌ: 24].
يُتْلَى الْقُرْآنُ، وَتُذْكَرُ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَلَا يَتَحَرَّكُ الْقَلْبُ!
قَالَ تَعَالَى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (سُورَةُ الْحَدِيدِ: 16)
● جُمُودُ الْعَيْنِ وَغِيَابُ الْخُشُوعِ:
الْعَيْنُ مِرْآةُ الْقَلْبِ، فَإِذَا قَسَا الْقَلْبُ جَفَّتِ الْعَيْنُ مِنَ الدَّمْعِ خَوْفاً وَشَوْقاً لِرَبِّهَا.
• فِي الْحَدِيثِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْأَرْبَعِ، مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ»
وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: « عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
● اسْتِثْقَالُ الطَّاعَاتِ:
تُصْبِحُ الصَّلَاةُ وَالْعِبَادَاتُ عِبْئاً ثَقِيلاً يَطْلُبُ الْمَرْءُ الْخَلَاصَ مِنْهُ لَا الرَّاحَةَ فِيهِ.
• قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [الْبَقَرَةُ: 45].
● تَرَاكُمُ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي (الرَّانُ):
قَالَ تَعَالَى:
﴿كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
(سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ: 14)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ،قَالَ ﷺ:
إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِه ، فَإِنْ تَابَ ، وَنَزَعَ ، وَاسْتَغْفَرَ صَقَلَ مِنْهَا ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يُغَلَّفَ بِهَا قَلْبُه ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِه : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ»
كُلُّ مَعْصِيَةٍ تَنْكُتُ فِي الْقَلْبِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، حَتَّى يَصِيرَ الْقَلْبُ كَالْكُوزِ مُجَخِّياً (مَقْلُوباً).
● هَجْرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
تَرْكُ تِلَاوَةِ وَتَدَبُّرِ الْقُرْآنِ يَقْطَعُ الْحَبْلَ الْوَاصِلَ بَيْنَ الْقَلْبِ وَمَصْدَرِ حَيَاتِهِ وَنُورِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 30)
● نَقْضُ الْعُهُودِ وَالْوُعُودِ مَعَ اللَّهِ:
• قَالَ تَعَالَى : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [الْمَائِدَةُ: 13].
● كَثْرَةُ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ:
• فِي الْحَدِيثِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي»
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ بِاخْتِلَافٍ يَسِيرٍ
● فُضُولُ الطَّعَامِ وَالْخُلْطَةِ وَالضَّحِكِ:
كَثْرَةُ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْحَيَاءَ وَالْوَقَارَ وَتُرَقِّقُ الْغَفْلَةَ فِي الْقَلْبِ.
• فِي الْحَدِيثِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُكْثِرُوا الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ»
أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ مُطَوَّلًا بِاخْتِلَافٍ يَسِيرٍ
● الِانْغِمَاسُ فِي الْمَادِّيَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ:
الِانْشِغَالُ بِزِينَةِ الدُّنْيَا يُورِثُ الْقَلْبَ بَلَادَةً تَجْعَلُهُ يَذْهَلُ عَنْ حَقَائِقِ الْآخِرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (سُورَةُ التَّكَاثُرِ: 1)
● نِسْيَانُ الْمَوْتِ وَالْآخِرَةِ:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
(سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 185)
وَقَالَ ﷺ:
«أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ»
يَعْنِي : الْمَوْتَ
الْغَافِلُ يَعِيشُ كَأَنَّهُ لَنْ يَرْحَلَ، فَيَقْسُو قَلْبُهُ لِأَنَّهُ اسْتَوْطَنَ الدُّنْيَا.
● الِاغْتِرَارُ بِالدُّنْيَا وَتَأْجِيلُ التَّوْبَةِ:
ظَنُّ الْإِنْسَانِ أَنَّ لَدَيْهِ مُتَّسَعاً مِنَ الْعُمْرِ يَجْعَلُهُ يُفَرِّطُ فِي اللَّحْظَةِ الرَّاهِنَةِ.
● الْوَحْشَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ:
يَشْعُرُ الْقَاسِي بِفَجْوَةٍ كَبِيرَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَالِقِهِ، فَلَا يَجِدُ لِلْعِبَادَةِ لَذَّةً وَلَا لِلنَّاجَاةِ طَعْماً.
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (سُورَةُ الصَّفِّ: 5)
● الْحِرْمَانُ مِنَ التَّوْفِيقِ وَالْبَرَكَةِ:
الْقَلْبُ الْقَاسِي مَطْرُودٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ وَتَوْفِيقِهِ فِي تَيْسِيرِ الْأُمُورِ.
﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾
(سُورَةُ الْمَائِدَةُ: 41)
● غِلْظَةُ التَّعَامُلِ مَعَ الْخَلْقِ:
مَنْ قَسَا قَلْبُهُ عَلَى رَبِّهِ، قَسَا قَلْبُهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَصَارَ فَظّاً غَلِيظاً لَا يَرْحَمُ.
• قَالَ تَعَالَى : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آلُ عِمْرَانَ: 159].
● عُقُوبَةُ قَسْوَةِ الْقَلْبِ
• تَوَعَّدَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْقُلُوبِ الْقَاسِيَةِ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَبَيَّنَ أَنَّ قَسْوَةَ الْقَلْبِ سَبَبٌ لِلضَّلَالِ وَانْغِلَاقِ الْقَلْبِ، فَلَا يَخْشَعُ وَلَا يَعِي وَلَا يَفْهَمُ، قَالَ تَعَالَى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} [الزُّمَرُ: 22]، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الْأَنْعَامُ: 122].
• قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا قَسَا الْقَلْبُ لَمْ تَنْفَعْهُ مَوْعِظَةٌ
كَالْأَرْضِ إِنْ سَبِخَتْ لَمْ يَنْفَعِ الْمَطَرُ
• قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ، وَمَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا نَزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ.
• وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ قَسْوَةَ الْقَلْبِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا مَانِعٌ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)} [الْبَقَرَةُ].
• قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ} -: «أَيْ مِنَ الْحِجَارَةِ لَأَلْيَنُ مِنْ قُلُوبِكُمْ، عَمَّا تُدْعَوْنَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ فَلَا تَسْتَجِيبُونَ»
• وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)} [الْأَنْعَامُ]؛ أَيِ الْفَقْرُ وَالضِّيقُ فِي الْعَيْشِ، وَالضَّرَّاءُ: وَهِيَ الْأَمْرَاضُ وَالْأَسْقَامُ وَالْآلَامُ، {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}: أَيْ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَيَدْعُونَهُ.
• وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)} [الْأَنْعَامُ]؛ أَيْ فَهَلَّا إِذَا ابْتَلَيْنَاهُم بِذَلِكَ: تَضَرَّعُوا إِلَيْنَا، وَتَمَسْكَنُوا لَدَيْنَا؟ ! {وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ}: أَيْ مَا رَقَّتْ وَلَا خَشَعَتْ، {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: أَيْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمُعَانَدَةِ وَالْمَعَاصِي.
● التَّدَبُّرُ فِي آيَاتِ الْوَعِيدِ وَالْوَعْدِ :
• قَالَ تَعَالَى : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرُ: 23].
● الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرَّعْدُ].
● قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ.
قَالَ تَعَالَى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الْحَشْرُ: 21].
● كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ:
عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ﷺ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا ، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ.
الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ تَجْلُو الصَّدَأَ عَنِ الْقَلْبِ.
• فِي الْحَدِيثِ: عَنِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
● مَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ وَإِطْعَامُ الْمِسْكِينِ:
الرَّحْمَةُ بِالْمَخْلُوقِ تُنْزِلُ رَحْمَةَ الْخَالِقِ عَلَى الْقَلْبِ فَتُذِيبُهُ.
• رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ»
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ.
● زِيَارَةُ الْمَقَابِرِ ، وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَتَذَكُّرُ الْمَوْتِ وَالْآخِرَةِ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ - وَاللَّفْظُ لَهُ.
• وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. يَعْنِي الْمَوْتَ، وَفِي رِوَايَةٍ «فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وَهُوَ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، وَلَا ذَكَرَهُ وَهُوَ فِي سِعَةٍ إِلَّا ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ»
أَخْرَجَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
• قَالَ الشَّاعِرُ:
دَوَاءُ قَلْبِكَ خَمْسٌ عِنْدَ قَسْوَتِهِ
فَادْأَبْ عَلَيْهَا تَفُزْ بِالْخَيْرِ وَالظَّفَرِ
خَلَاءُ بَطْنٍ وَقُرْآنٌ تَدَبَّرُهُ
كَذَا تَضَرُّعُ بَاكٍ سَاعَةَ السَّحَرِ
ثُمَّ التَّهَجُّدُ جُنْحَ اللَّيْلِ أَوْسَطَهُ
وَأَنْ تُجَالِسَ أَهْلَ الْخَيْرِ وَالْخَبَرِ
● لِينُ قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
* كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَرَقِّ النَّاسِ قَلْبًا، قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آلُ عِمْرَانَ: 159].
• رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ سَأَلَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ ( وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْخِصَامِ). فِي الْأَسْوَاقِ؛ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا "
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ - ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «اقْرَأْ عَلَيَّ؟ » قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ»؛ فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)} [النِّسَاءُ]؛ قَالَ: «حَسْبُكَ الْآنَ»، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ: فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ "
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَصَحِيحُ مُسْلِمٍ.
● قُلُوبٌ لَانَتْ بَعْدَ قَسْوَةٍ (قِصَصُ التَّائِبِينَ):
يُذْكَرُ قِصَّةُ "الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ" الَّذِي كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قَالَ: "بَلَى يَا رَبِّ قَدْ آنَ"، فَصَارَ عَابِدَ الْحَرَمَيْنِ.
• وَذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَنَّ سَبَبَ تَوْبَةِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ - وَكَانَ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ - أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً فَوَاعَدَتْهُ لَيْلًا، فَبَيْنَمَا هُوَ يَرْتَقِي الْجُدْرَانَ إِلَيْهَا إِذْ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}؛ فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَهُوَ يَقُولُ: بَلَى وَاللَّهِ قَدْ آنَ! فَآوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى خَرِبَةٍ (خَرِبَةٍ: مَوْضِعِ الْخَرَابِ) وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّابِلَةِ (السَّابِلَةِ: الْمَارُّونَ عَلَى الطُّرُقَاتِ الْمُتَرَدِّدُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ) ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: إِنَّ فُضَيْلاً يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَقَالَ الْفُضَيْلُ: أَوَّاهُ! أَرَانِي بِاللَّيْلِ أَسْعَى فِي مَعَاصِي اللَّهِ، قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَخَافُونَنِي: اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي إِلَيْكَ جِوَارَ بَيْتِكَ الْحَرَامِ
قَالَ السَّلَفُ :
“مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ.”
● حَالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَعَ الْخَشْيَةِ:
كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلاً أَسِيفاً (كَثِيرَ الْبُكَاءِ) لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ.
• عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ...
● الدُّعَاءُ .
الْقُلُوبُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.
• عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،قَالَ :
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ نَعَمْ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»
● دَوْرُ الصُّحْبَةِ الصَّالِحَةِ فِي رِقَّةِ الْقَلْبِ:
قَالَ تَعَالَى :
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾
(سُورَةُ الْكَهْفِ: 28)
الصَّاحِبُ الصَّالِحُ كَحَامِلِ الْمِسْكِ، يُذَكِّرُكَ بِاللَّهِ إِذَا نَسِيتَ وَيُعِينُكَ إِذَا ذَكَرْتَ، وَمُجَالَسَتُهُمْ تُنْزِلُ السَّكِينَةَ وَتُلِينُ الْفُؤَادَ.
قَسْوَةُ الْقَلْبِ لَيْسَتْ قَدَراً مَحْتُوماً، بَلْ مَرَضٌ لَهُ عِلَاجٌ، وَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ لَانَ قَلْبُهُ، وَذَاقَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ.
إِنَّ الْقَلْبَ هُوَ مَلِكُ الْأَعْضَاءِ، إِذَا صَلُحَ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا قَسَا فَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ.
إِنَّ الْقَلْبَ يَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ، وَجَلَاؤُهُ ذِكْرُ اللَّهِ وَتَدَبُّرُ آيَاتِهِ. فَالْمُوَفَّقُ هُوَ مَنْ تَعَاهَدَ قَلْبَهُ بِالتَّزْكِيَةِ، وَطَهَّرَ رُوحَهُ مِنْ رَانِ الْمَعَاصِي، وَجَعَلَ مِنَ الْقُرْآنِ رَبِيعاً لِصَدْرِهِ.
فَلْيَكُنْ شِعَارُنَا دَوْماً الْإِقْبَالَ عَلَى اللَّهِ بِقُلُوبٍ مُنْكَسِرَةٍ، وَعُيُونٍ دَامِعَةٍ، طَمَعاً فِي رَحْمَةِ اللَّهِ ،وَلِنَجْعَلْ مِنْ هَذِهِ الْعَنَاصِرِ مَنْهَجاً يَوْمِيّاً لِمُرَاجَعَةِ ذَوَاتِنَا، وَلْنَقْرَعْ بَابَ اللَّهِ بِصِدْقٍ قَائِلِينَ: "اللَّهُمَّ نَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ".
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ.
اللَّهُمَّ لَيِّنْ قُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ، وَاشْرَحْ صُدُورَنَا بِطَاعَتِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرْتَ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُكَ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً
نَسْأَلُ اللَّهَ قُلُوباً لَيِّنَةً، وَعُيُوناً دَامِعَةً ، وَنُفُوساً خَاشِعَةً مُطْمَئِنَّةً بِلِقَائِهِ ، وَأَفْئِدَةً رَقِيقَةً تَخْشَى اللَّهَ فِي الْغَيْبِ وَفِي الشَّهَادَةِ ، وَعُيُوناً تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ فِي السَّحَرِ ، آمِينَ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ.

إرسال تعليق