غربة الروح.. حين يكون الفقد أول طريق النجاة

غربة الروح.. حين يكون الفقد أول طريق النجاة

حين ينزع الله من روحك ما ألفته: عن الغربة التي تسبق النجاة

بقلم باهر رجب

غربة الروح
غربة الروح


غربة الروح في مسيرة الحياة، يمر الإنسان بلحظات يشعر فيها و كأن الأرض قد مدت من تحت قدميه، وأن يدا خفية قد انتزعته من مأمنه لتضعه في مهب المجهول. نسمي ذلك أحيانا خسارة، و نسميه تارة أخرى انكسار، لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. إنه "تحرير إلهي" يأتي في هيئة وجع.

تحرير القلب من قيد التعلق

أحيانا يأخذك الله من يدك، و يبعدك عما ظننته حياتك. ليس الهدف من هذا الإبعاد إيلامك أو تعريضك للفقد من أجل الفقد، بل هو نداء خفي لتحرير قلبك من كل شيء سواه. نحن بطبعنا نميل إلى "الألفة"، نعتاد الأشخاص و الأماكن حتى نظن أن هويتنا مرتبطة بوجودهم، وأن استمرار نبضنا مرهون ببقائهم. حين ينزع الله من روحك ما الفته، وما تعلقت به حتى خلت أنه جزء منك، أنت لا تفقد قطعة من جسدك كما تتخيل، بل أنت تكتشف الحقيقة المرة التي كانت غائبة عن وعيك. أن ما كان يمسكك لم يكن إلا قيدا يمنع طيرانك، وأن ما ظننته سندا تتكئ عليه لم يكن إلا حجابا يحجب عنك نور التوكل الصادق.  

غربة الروح.. حين يكون البشر زحاما بلا أنس

من أقسى الاختبارات و أعظمها ثمرة، هي تلك اللحظة التي يدخلك الله فيها في "غربة" بين أقرب الناس إليك. تجد نفسك في وسط الزحام، ومع ذلك تشعر بصمت عميق يسكنك، و كأن اللغة بينك وبينهم قد انقطعت حبالها. هذه الغربة لا تأتي لتفزِعك، بل لتلقنك الدرس الأسمى. أن السكينة لا تعار. السكينة الحقيقة لا يمكن استعارته من وجوه العابرين ولا من كلمات المحبين، لأن السكينة ليست سلعة يهديها بشر لبشر، بل هي فيض رباني يسكب في القلب مباشرة من رب البشر. إنها الغربة التي تعقبها المعرفة، و الوحشة التي تؤدي إلى الاستغناء.

في خلوة الحق.. النجاة في السكنى

حين تخلو به في نهاية المطاف، بعد أن تساقطت عن كاهلك كل الأوهام، تنجلي البصيرة. هناك، في سكون الانقطاع عن الخلائق، تدرك المعادلة الكبرى لوجودك. أن القلب الذي سكنه المخلوق ضاع في تيه التوقعات و خيبات الأمل، و تاه في البحث عن أمان زائل في كنف فانٍ مثله. أما القلب الذي صفاه الله من الأغيار، وجعل سكناه للخالق وحده، فهو القلب الذي نجا. نجا من خوف الفقد، ومن مرارة الخذلان، ومن قلق المستقبل. لقد أدرك أن الله حين انتزعه من "حياته القديمة"، إنما كان يفسح له مكانا ليرى الحياة الحقيقية التي لا تزول. إنها دعوة للتأمل في كل باب أغلق في وجهك، وفي كل يد أفلتت يدك في منتصف الطريق. فربما لم يكن ذلك تخليا، بل كان "أخذا" من الله إليك، ليعيد ترتيب قلبك بحيث لا يسكنه إلا هو.

اكتب تعليق

أحدث أقدم