رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن النفس الإسانية تبحث عن الأمان

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن النفس الإسانية تبحث عن الأمان

رئيس  اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن النفس الإسانية تبحث عن الأمان


بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن النفس الإنسانية بطبعها تبحث عن “الأمان”، وتفتش في دروب الحياة عمن “يضمن” لها رزقها ومصيرها.

وحين تعجز الوعود البشرية عن توفير هذا اليقين، يأتي البيان النبوي الشريف ليضع بين أيدينا ثلاثة مفاتيح ذهبية، من ملكها دخل في كفالة الله ورعايته. فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ثلاثةٌ كلُّهم ضامنٌ علَى اللَّهِ إن عاشَ رزقَ وَكُفيَ وإن ماتَ أدخلَهُ اللَّهُ الجنَّةَ مَن دخلَ بيتَهُ فسلَّمَ فَهوَ ضامنٌ على اللَّهِ ومَن خرجَ إلى المسجِدِ فَهوَ ضامنٌ علَى اللَّهِ ومَن خرجَ في سبيلِ اللَّهِ فَهوَ ضامنٌ على اللَّهِ»

📚 أخرجه أبو داود برقم 2494، والبخاري في الأدب المفرد برقم 1094، وابن حبان برقم 499).

⚫ أولاً: مفهوم “الضمان على الله” ودلالاته الشرعية واللغوية

إن “الضمان” في اللغة هو الالتزام والكفالة، وحين نقول “فلان ضامن على الله” فالمعنى أن الله سبحانه -وهو الوفي بالعهود- قد أوجب على نفسه فضلاً وكرمًا رعاية هذا العبد.

● حقيقة الضمان في الدنيا والآخرة:

بيّن الحديث أن هذا الضمان يسري في الحالين:

• في حال الحياة: يرزقه الله من حيث لا يحتسب، ويكفيه ما أهمه من أمر دنياه ودينه.

• في حال الممات: يكون جزاؤه الجنة، وهي أعظم الغايات.

قال تعالى في كفايته لعباده: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 36).

⚫ ثانياً: السلام في البيوت.. الضمان في السكينة والاعتزال

هذا الجزء من الحديث يحمل لطائف فقهية واجتماعية بديعة، فهو يربط بين “السلام” وبين “الضمان”.

● تفسير “دخل بيته بسلام”:

يرى أهل العلم في هذا وجهين :

• الوجه الأول (السلام اللفظي): أن يسلم على أهله عند الدخول، وهو سبب للبركة.

قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (النور: 61).

وفي سنن الترمذي قال ﷺ لأنس: « يا بُنيَّ إذا دخلتَ على أهلِكَ فسلِّمْ تكنْ بَرَكَةً عليكَ وعلى أهلِ بيتِكَ»

📚 أخرجه الترمذي، وأبو يعلى، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) مطولاً.

• الوجه الثاني (السلام من الفتن): أن يلزم بيته كافًا نفسه عن الشر، سالماً من لسان الناس، ومسلماً لهم من لسانه، خاصة في أزمنة الفتن.

فمن لزم بيته طاعةً لله واجتناباً للمعاصي، فقد “دخل بسلام” في حصن الله الحصين.

⚫ ثالثاً: غدوّ المسجد ورواحه.. الضمان في بيوت الله

العنصر الثاني في هذا الضمان هو “عمار المساجد”، فالذي يخرج من بيته قاصدًا بيت ربه، هو في ضيافة ملك الملوك.

● المسجد مأوى الأرواح:

حين يترك العبد تجارته ولهوه ويجيب “حي على الصلاة”، فإنه يعلن ولاءه التام لله، فكان لزامًا على الكريم أن يكرم زائره.

• الرزق والكفاية لمن لزم المسجد:

هذا الضمان يشمل الطمأنينة النفسية والبركة في الرزق، لأن من اشتغل بالله كفاه الله ما سواه.

يقول الله عز وجل في فضل عُمّار المساجد:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: 36-37).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح»📚 أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) واللفظ له، وأخرجه البخاري، ومسلم باختلاف يسير

فالنزُل هو ما يُهيأ للضيف، فكيف إذا كان المضيف هو الله؟

⚫ رابعاً:المجاهد في سبيل الله.. الضامن البائع لنفسه

صدّر النبي ﷺ الحديث بذكر المجاهد، لأنه بذل أغلى ما يملك، فاستحق أعلى مراتب الضمان.

● الخروج في سبيل الله عهداً مع الحق:

المجاهد خرج فارًا من حظوظ نفسه إلى مرضاة ربه، فصار في ذمة الله في حله وترحاله.

• الفوز بإحدى الحسنيين:

إن عاش عاد مأجورًا منصورًا، وإن استُشهد كان حياً عند ربه يُرزق.

يقول الله تعالى في شأن هؤلاء:

﴿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111).

وروى مسلم في صحيحه (1876) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أعدَّ اللَّهُ لمن خرجَ في سبيلِهِ لا يخرجُهُ إلَّا جِهادٌ في سبيلي وإيمانٌ بي وتصديقٌ برسلي فَهوة عليَّ ضامنٌ أن أُدخِلَهُ الجنَّةَ أو أرجعَهُ إلى مسْكنِهِ الَّذي خرجَ منْهُ نائلًا ما نالَ من أجرٍ أو غنيمةٍ ثمَّ قالَ والَّذي نفسي بيدِهِ لولا أن أشقَّ على المسلمينَ ما قعدتُ خلافَ سريَّةٍ تخرجُ في سبيلِ اللَّهِ أبدًا ولَكن لا أجدُ سَعةً فأحملَهم ولا يجدونَ سعةً فيتَّبعوني ولا تطيبُ أنفسُهم فيتخلَّفونَ بعدي والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ لودِدتُ أن أغزوَ في سبيلِ اللَّهِ فأُقتَلَ ثمَّ أغزوَ فأقتَلَ ثمَّ أغزوَ فأقتَلَ»📚 أخرجه النسائي نصفه، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) واللفظ له.

⚫ خامساً: الروابط الجلية بين الأصناف الثلاثة

تتجلى بلاغة النبوة في جمع هذه الثلاثة في سياق واحد:

● تغطية لمناحي الحياة:

• المجاهد يمثل ذروة السنام في “الحركة” خارج المجتمع لحمايته.

• المصلي يمثل “الرابطة الروحية” والصلة الدائمة بالخالق وسط المجتمع.

• الداخل لبيته يمثل “الاستقرار والسكينة” الفردية والأسرية.

● الشمولية في الجزاء:

كل هؤلاء اشتركوا في أنهم عملوا أعمالاً فيها “خروج” من دائرة النفس (خروج للجهاد، خروج للمسجد، دخول للبيت بسلام وكف الأذى)، فاستحقوا خروجاً من هموم الدنيا إلى سعة ضمان الله.

إن الله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملاً، والضمان على الله ليس مجرد كلمة تقال، بل هو عقيدة يحيا بها المؤمن، فيمشي في الأرض واثقاً بمدد السماء. فمن أراد الرزق والكفاية، ومن أراد ميتةً يدخل بها الجنة، فعليه بهذه الثلاث: جهادٌ في سبيل الله بشتى صوره، وعمارةٌ للمساجد بقلبه وقالبِه، وإشاعةٌ للسلام والسكينة في بيته ومحيطه.

🤲 نسأل الله أن يجعلنا ممن شملهم هذا الضمان، وأن يرزقنا كفايته في الدنيا، وجنته في الآخرة.

Edit 

اكتب تعليق

أحدث أقدم