حصان البيادر

حصان البيادر

 




حصان البيادر

بقلم: فاطمة زيدان

محاضر بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا

والباحثة في التاريخ والتراث

 


هل تكمن البطولة في الظفر بالمجد، أم في الوفاء للواجب الصامت الذي لا يُرى؟

هناك قوة لا ننتبه إليها غالبا؛ قوة تعمل بصمت وتبقي الحياة واقفة على قدميها دون أن تطلب شكر. تلك القوة لا تشبه أبطال الحكايات، بل تشبه حصان البيادر.

ليس كل حصان خُلق ليجري في الميادين، ولكن بعضها وضع منذ البداية في البيادر حيث لا تُرفع الرايات ولا يُسمع التصفيق، وحيث يُقاس الجهد بقدر ما يُنقذ من جوع، لا بقدر ما يثير إعجاب.

الحصان في البيادر لم يُسأل إن أراد، مثل الإنسان الذي لم يُسأل إن خُلِق للحمل أو للحلم. والحياة بدورها لا تعد أحدا بالمجال الذي يشتهيه، بل بالمكان الذي يحتاجه وجوده. وهكذا يمضي حصان البيادر، لا لأنه لا يعرف الركض، بل لأنه يعرف أن استمرار الحقول أهم من لمعان الساحات.

حصان البيادر لا يلتفت إلى الضجيج، لأنه يعرف أن الضجيج لا يُطعم أحدا. يعرف أن دوره لا يُكتب في الأغاني ولا يُعلق على الجدران، لكنه محفور في الخبز وفي الأيدي التي تمتد كل صباح لتجد ما يسد الجوع.

الإنسان مثل حصان البيادر؛ ليس كل من حمل أثقال الحياة بطلا في أعين الآخرين، لكنه بالضرورة عمودها الخفي. يمضي وهو يعرف أن ما يفعله لن يُرى، ومع ذلك يفعله، لأن التخلي ليس خيارا، والحياة لا تنتظر المتفرغين للحلم.

الحياة نفسها لا تميز بين من يعمل في الضوء ومن يعمل في الظل؛ هي تمضي على أكتاف من قرروا البقاء، لا الانسحاب. وعلى ظهورهم تدور المواسم وتستمر الحكاية.

وقد يظن البعض أن حصان البيادر لم يختار مصيره، وأنه سيُساق إلى موضعه كما يُساق القدر. لكن الحقيقة أن الاختيار لا يكون دائما في البداية، أحيانا يكون في الاستمرار. فالقدر قد يضعك حيث لم تُخطط، لكنه لا يجبرك أن تبقى بذات الروح وذاك العطاء.

الإنسان، مثل حصان البيادر، يختار كل يوم: أن يحمل دون أن يتحول إلى قسوة، وأن يعمل دون أن يكره الحياة، وأن يقبل موقعه دون أن يفقد احترامه لذاته. الرضا ليس استسلاما، بل اتفاق صامت مع النفس على ألا نُفسد ما في أيدينا حزنا على ما لم نحصل عليه.

وماذا لو قرر حصان البيادر أن يهرب من كل هذا العبء الذي يحمله، مادام يقدر على الهرب؟ قد يبدو الأمر وكأنه حر، لكنه يعلم في أعماقه أن حريته الحقيقية لا تُقاس بالفرار، بل بالوفاء لدوره. الهروب قد يخفف الثقل مؤقتا، لكنه لا يغير الواقع: أن مكانه وقوته مرتبطان بما حوله، وأن السعي الصامت الذي يواصل كل يوم هو ما يجعل الحياة ممكنة. وفي هذا التوازن بين الرغبة في التحرر والالتزام بالواجب، يُولد معنى القوة الحقيقية، حيث يعرف المرء متى يقف، متى يستمر، ومتى يختار أن يكون صامتًا لكنه حاضر.

وختامًا يا صديقي ومن خلال هذا المنظور، كل حصان في البيادر، وكل إنسان يكد في صمت، هو بطل حقيقي. لأن الحياة في النهاية تبتسم لأولئك الذين يعرفون أن السعي لا يُقاس بالضجيج، بل بالوفاء لما هو مطلوب منهم وبالصدق مع أنفسهم.

هناك من خُلِق ليضيء الساحات ويترك أثره واضحا، وهناك من خُلِق ليحمل الحياة بصمت ويجعل كل شيء يستمر دون أن يُحتفى به. كلٌ ميسر لما خُلق له، وكلٌ يؤدي دوره بطريقته الخاصة. ليست قيمة أحدنا في الظهور، بل في الوفاء بما هو مكلف به.

وهنا يكمن سر حصان البيادر: لا يحتاج إلى تصفيق، ولا يبحث عن تقدير، لكنه يعرف أن عمله الصامت هو ما يجعل الحياة ممكنة، وأن قدره ليس عبئا، بل مهمة منحها له الخالق ليصبح وجوده جزءا من النظام الكبير، حيث كل واحد يسهم بطريقته الخاصة، سواء كان في الضوء أم في الظل.

اكتب تعليق

أحدث أقدم