هذا فراق بيني وبينك

هذا فراق بيني وبينك



هذا فراق بيني وبينك
بقلم: فاطمة زيدان
محاضر بالجامعة الإسلامية بمنيسوتا 
والباحثة في التاريخ والتراث
 

"هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ"...  قالها القرآن في موضع حكمة لا موضع غضب، قالها نبي لنبي، لم تكن الكلمة صرخة وجع وضجر، بل إعلان وعي بأن الطريقين قد افترقا حين بلغ كلا منهما غايته. كان الفراق هنا نضجًا ورقيًا مليء بالإدراك لا بالمرارة، وفيه إشارة خفية أن الفراق ليس خصومة، بل إدراك لنهاية الدور وبداية لمرحلة أوسع من الفهم.
الفراق ليس دائمًا وجعًا، ولا نهايةً مؤلمة كما يظن الناس. أحيانًا يكون الفراق بداية لمرحلة أعمق وأكبر من أن يستوعبها الشخص الذي يسير معك الآن. فهناك دروب لا تتسع إلا لواحد، وقلوب لا تقدر على مواكبة ما كُتب لك من نضج أو تحول.
"هذا فراق بيني وبينك"، قالها الخضر لموسى عليهما السلام ، ولم يكن الفراق بينهما عجزًا ولا ضعفًا، فكلاهما نبي كريم، لكن الطريق الذي جمعهما قد بلغ غايته، والرحلة التي وحدتهما أدت رسالتها. وهكذا هي الحياة؛ نلتقي لنكمل نقصًا، ونتعلم درسًا، ثم نفترق لنواصل الطريق وقد تغيرنا.
كما تُعلم الأم طفلها صغيرًا كل ما يحتاج ليشتد عوده، ويتعلم أن يمشي ثم تتركه يواجه الحياة بنفسه، كذلك بعض العلاقات تؤدي دورها حتى تنضج أرواحنا، ثم تتركنا لنكمل الطريق وحدنا. فالفراق أحيانًا ليس هجرًا، بل تربية روحية للحياة القادمة.
وكما لم يكن لقاء سيدنا موسى بالخضر لقاءً عابرًا، كذلك لا يوجد لقاء عبثي وعابر  في رحلتنا نحن. فكل من نلتقيه، وكل تجربة نخوضها، تضيف إلى وعينا درسًا لا نراه إلا بعد حين. في قصة سيدنا موسى والخضر يتجلى المعنى الأعمق للفراق؛ حين خرج نبي الله موسى في رحلته باحثًا عن العلم والمعرفة عندما علم أن هناك من أعلم منه ، فكانت رحلته إلى لقاء سيدنا الخضر. ومن هنا نتعلم أن طريق العلم لا ينتهي، وأن فوق كل ذي علمٍ عليم.، وأن العلم لا يُقاس بكمّ ما نعرفه، بل بقدرتنا على التأمل والتعلُّم من المواقف.لقد واجه سيدنا موسى في رحلته مع الخضر أحداثًا لم يجد لها تفسيرًا في وقتها حين خرق السفينة التي يعمل فيها المساكين، وحين قتل نفسًا، وحين أقام الجدار بلا أجر. لكنها جميعًا كانت تحمل معاني خفية لا تُكشف إلا في لحظة الفهم بعد الفراق.
فحين ظن موسى أن ما يراه شرا ، كان في الحقيقة شر يحمل في طياته خير كثير، وحكمة خفية لم يتم تداركها الا في النهاية. وهكذا نحن في رحلتنا نحو المعرفة والحياة، نمر بمحطات لا نفهمها إلا بعد أن نعبرها.
أحيانًا يكون الفراق ضرورة للنمو، فكما لا تنبت الشجرة إلا بعد أن تُسقط أوراقها القديمة، لا يكتمل الإنسان إلا بعد أن يفترق عن نسخٍ من ذاته وعن وجوهٍ أحبّها ذات زمن. ليست القوة في البقاء دائمًا، ولا الضعف في الرحيل. القوة الحقيقية أن تدرك متى تنتهي فصول الحكاية، وأن تغادرها بهدوءٍ دون أن تُطفئ نورها.
فالفراق لا يلغي الود، بل يضعه في مكانٍ أكثر نضجًا واتزانًا، حيث يتحول الحنين إلى امتنان، والألم إلى حكمة. وهكذا، حين نقول: "هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ"، فنحن لا نعلن نهاية، بل بداية أخرى، أكثر صدقًا، وأكثر عمقًا، وأقرب إلى أنفسنا التي تتبدل وتنضج مع كل فراق.
وأخيرًا هذا فراق بيني وبينك، في جوهره، ليس نهاية الطريق، بل بداية وعيٍ جديد. هو مساحة صمت يتحدث فيها النضج بدل الكلمات، ويُعلمنا أن ما كتب الله لنا لن يضل طريقه إلينا، ولو بعد حين. نمضي بعد كل فراق أكثر فهمًا، أكثر لطفًا، وأكثر يقينًا أن الود لا يموت، بل يتغير شكله، كما يتغير الضوء حين تشرق شمس يومٍ جديد.

اكتب تعليق

أحدث أقدم