رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الراسخون في العلم

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الراسخون في العلم

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الراسخون في العلم


بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن نِعَمَ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ كَثِيرَةٌ وَعَدِيدَةٌ، لَا يُحْصِيهَا عَدٌّ، وَلَا يُحَدُّهَا حَدٌّ، وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ النِّعَمِ بَعْدَ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ: نِعْمَةُ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ وَالتَّدَبُّرِ، فَالْعَقْلُ السَّلِيمُ هُوَ مِفْتَاحُ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ، وَالْفَهْمُ الصَّحِيحُ هُوَ سَبِيلُ الْعَمَلِ الْمُسْتَقِيمِ، وَبِهِمَا يَتَحَقَّقُ مَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْ إِنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ.
● أَوَّلًا: الْفَهْمُ الصَّحِيحُ نِعْمَةٌ وَمِنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ.
– قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُبَيِّنًا فَضْلَهُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِإِعْطَائِهِ أَدَوَاتِ الْفَهْمِ وَالتَّدَبُّرِ:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 78].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 190].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: 13].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سُورَةُ الْحَجِّ: 46].
وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سُورَةُ ق: 37].
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: “لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ” أَيْ عَقْلٌ يَعِي بِهِ، وَقَلْبٌ حَيٌّ يُدْرِكُ الْحَقَّ وَيَمِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَاطِلِ.
● ثَانِيًا: خُصَّ بَعْضُ الْأَنْبِيَاءِ بِزِيَادَةِ فَهْمٍ
– وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا نَبِيَّهُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِفَهْمٍ زَائِدٍ ، وَذَلِكَ لِبَيَانِ مَنْزِلَةِ الْفَهْمِ وَأَهَمِّيَّتِهِ فِي الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 78-79].
وَالْقِصَّةُ كَمَا جَاءَتْ فِي الرِّوَايَاتِ: أَنَّ جَمَاعَةً كَانَ لَهُمْ حَرْثٌ مِنْ عِنَبٍ، فَدَخَلَتْ فِيهِ غَنَمُ قَوْمٍ آخَرِينَ لَيْلًا فَأَكَلَتِ الْعِنَبَ وَأَتْلَفَتْهُ، فَحَكَمَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ تَكُونَ الْغَنَمُ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ مُقَابِلَ مَا أَتْلَفَتْهُ، وَحَكَمَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ يُعْطَى صَاحِبُ الْحَرْثِ الْغَنَمَ يَنْتَفِعُ بِأَلْبَانِهَا وَأَصْوَافِهَا وَنِتَاجِهَا، وَيُعْطَى صَاحِبُ الْغَنَمِ الْحَرْثَ لِيُصْلِحَهُ وَيُعِيدَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَادَ الْحَرْثُ كَمَا كَانَ رُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ وَرُدَّتِ الْغَنَمُ إِلَى صَاحِبِهَا، فَفَهَّمَ اللَّهُ سُلَيْمَانَ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالْمَصْلَحَةِ.
● ثَالِثًا: دُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالْفَهْمِ وَالتَّأْوِيلِ
– عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ، وَاللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ].
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ].
وَهَذَا الدُّعَاءُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْفِقْهَ فِي الدِّينِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِفْظٍ وَرِوَايَةٍ، بَلْ هُوَ فَهْمٌ عَمِيقٌ، وَنَظَرٌ ثَاقِبٌ، يُنَزِّلُ النُّصُوصَ مَنَازِلَهَا وَيَضَعُهَا فِي سِيَاقِهَا الصَّحِيحِ، وَأَنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ – أَيْ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ وَبَيَانَ مَعَانِيهِ وَمَقَاصِدِهِ – هُوَ عِلْمٌ يُؤْتَاهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ.
● رَابِعًا: خَيْرِيَّةُ الْمُؤْمِنِ مَنُوطَةٌ بِفِقْهِهِ
– عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خِيَارَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “إِذَا فَقِهُوا” أَيْ إِذَا فَهِمُوا الدِّينَ وَعَرَفُوا أَحْكَامَهُ وَمَقَاصِدَهُ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ خَيْرِيَّةَ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ بِحَسَبِ نَسَبِهِ أَوْ جَاهِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، بَلْ بِحَسَبِ فِقْهِهِ فِي الدِّينِ وَفَهْمِهِ لِمَرَادِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
● خَامِسًا: الْفَهْمُ الصَّحِيحُ يُؤَدِّي إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سُورَةُ ص: 29].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 24].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 82].
فَالْفَهْمُ الصَّحِيحُ يَقُودُ إِلَى التَّدَبُّرِ، وَالتَّدَبُّرُ يَقُودُ إِلَى التَّذَكُّرِ، وَالتَّذَكُّرُ يَقُودُ إِلَى الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ يَقُودُ إِلَى الْفَلَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
● سَادِسًا: الْعَقْلُ مِفْتَاحُ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ
إِنَّ الْعَقْلَ السَّلِيمَ هُوَ الْأَدَاةُ الَّتِي مَيَّزَ اللَّهُ بِهَا بَنِي آدَمَ عَلَى سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَهُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَبَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرِّ. وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِاسْتِثْمَارِ هَذَا الْعَقْلِ وَإِعْمَالِهِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ فَهْمًا صَحِيحًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 22-23].
وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مَنْ حُرِمَهُنَّ حُرِمَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: عَقْلٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ السَّفِيهَ، وَوَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنِ الْمَعَاصِي» [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ “الْعَقْلِ وَفَضْلِهِ”].
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: “إِنَّمَا كَانَ يُطْلَبُ هَذَا الْعِلْمُ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلًا، وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا لَمْ تَطْلُبْهُ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنَالُهُ إِلَّا النُّسَّاكُ الْعُقَلَاءُ” [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي “الْعَقْلِ وَفَضْلِهِ”].
● سَابِعًا: الْفِقْهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِفْظٍ بَلْ فَهْمٌ وَاسْتِنْبَاطٌ
– عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ].
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: “التَّفَقُّهُ لِلْعِلْمِ هُوَ التَّفَقُّهُ فِيهِ، وَلَا يَتِمُّ الْعِلْمُ إِلَّا بِالْفَهْمِ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ»، فَجَعَلَ الْفَهْمَ دَرَجَةً أُخْرَى بَعْدَ حِفْظِ كِتَابِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ بِالْفَهْمِ لَهُ تَتَضَحُّ مَعَانِيهِ وَأَحْكَامُهُ، وَقَدْ نَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِلْمَ عَمَّنْ لَا فَهْمَ لَهُ بِقَوْلِهِ: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ، يَعْنِي بِذَلِكَ فَهْمَ مَعَانِيهِ وَاسْتِنْبَاطَهُ”.
● ثَامِنًا: الْأَمْرُ بِسُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ
– قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 43].
وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لِفَهْمِ النُّصُوصِ، وَعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْفَهْمِ السَّطْحِيِّ أَوِ الْمُنْفَرِدِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ وَعَنْ عُلَمَائِهِمْ وَأُمَنَائِهِمْ، فَإِذَا أَخَذُوهُ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا” [رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي “حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ”].
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ” [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي “السُّنَنِ الْكُبْرَى”].
⚫ ثَانِيًا: أَقْسَامُ الْعُقُولِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ
أَيُّهَا الأحبة : النَّاسُ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: عُقُولٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَعُقُولٌ ضَيِّقَةٌ، وَعُقُولٌ فَاسِدَةٌ. وَإِلَيك بَيَان هَذِهِ الْأَقْسَامِ:
● أَوَّلًا: الْعُقُولُ الرَّبَّانِيَّةُ
– هِيَ عُقُولٌ أَيْقَظَهَا الْإِيمَانُ، فَسَمَتْ عَنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ، وَاتَّجَهَتْ نَحْوَ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَتْ لَهَا، فَاسْتَخْدَمَتْ نُورَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَسَخَّرَتْ فِكْرَهَا فِيمَا يَنْفَعُ الْخَلْقَ وَيُصْلِحُ أَحْوَالَهُمْ، وَيَقُودُهُمْ إِلَى الْخَيْرِ وَالرُّشْدِ، لَا تُفَكِّرُ لِنَفْسِهَا وَحْدَهَا، بَلْ تَحْمِلُ هَمَّ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَتَعْمَلُ عَلَى تَغْيِيرِ وَاقِعِهَا نَحْوَ الْأَحْسَنِ، مُسْتَضِيئَةً بِهَدْيِ الْوَحْيِ، وَمُسْتَنِيرَةً بِبَصِيرَةِ الْحَقِّ.
تِلْكَ عُقُولٌ أَدْرَكَتْ أَنَّ رِسَالَتَهَا أَسْمَى مِنْ حُدُودِ الذَّاتِ، فَبَذَلَتْ وُسْعَهَا فِي تَبْلِيغِ مُرَادِ اللَّهِ كَمَا أَرَادَهُ، لَا كَمَا تَهْوَاهُ النُّفُوسُ أَوْ تُحَرِّفُهُ الْأَهْوَاءُ، فَكَانَتْ عَاقِبَتُهَا حَمِيدَةً فِي الدُّنْيَا أَثَرًا طَيِّبًا، وَفِي الْآخِرَةِ أَجْرًا عَظِيمًا؛ لِأَنَّهَا جَمَعَتْ بَيْنَ صَفَاءِ الْقَصْدِ، وَصَوَابِ الْفَهْمِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْعُقُولِ: أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَالْعُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ الَّذِينَ وَرِثُوا النُّبُوَّةَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ.
● ثَانِيًا: الْعُقُولُ الضَّيِّقَةُ
– هِيَ عُقُولٌ أُوتِيَتْ نَصِيبًا مِنَ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ، لَكِنَّهَا ضَيَّعَتْ وِجْهَتَهَا، فَحَبَسَتْ نَفْسَهَا عِنْدَ ظَاهِرِ الْأَلْفَاظِ، وَوَقَفَتْ عِنْدَ حَرْفِيَّةِ النُّصُوصِ دُونَ أَنْ تَنْفُذَ إِلَى مَقَاصِدِهَا أَوْ تَسْتَضِيءَ بِهَدَايَاتِهَا الْوَاسِعَةِ، فَغَفَلَتْ عَنْ رُوحِ الشَّرِيعَةِ، وَأَغْلَقَتْ أَبْوَابَ الِاجْتِهَادِ فِي تَنْزِيلِ النُّصُوصِ عَلَى وَاقِعِ النَّاسِ، فَصَارَ فَهْمُهَا قَاصِرًا، وَأَثَرُهَا مَحْدُودًا.
إِنَّهَا عُقُولٌ تَشَبَّثَتْ بِظَاهِرٍ مُجَرَّدٍ، وَغَفَلَتْ عَنْ فَهْمِ السِّيَاقِ وَالْمَآلِ، فَلَمْ تَرَ فِي النَّصِّ إِلَّا كَلِمَاتٍ تُحْفَظُ، لَا مَعَانٍ تُفْهَمُ، وَلَا مَقَاصِدُ تُسْتَثْمَرُ فِي إِصْلَاحِ الْحَيَاةِ، وَمَعَ مَا مُنِحَتْ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى الْفَهْمِ، إِلَّا أَنَّهَا عَطَّلَتْ طَاقَتَهَا عَنْ إِدْرَاكِ مُرَادِ اللَّهِ، فَحَرَمَتْ نَفْسَهَا مِنْ نُورِ الْبَصِيرَةِ، وَحَجَبَتْ غَيْرَهَا عَنْ سَعَةِ الشَّرِيعَةِ وَرَحْمَتِهَا وَمَقْصُودِهَا.
● ثَالِثًا: الْعُقُولُ الْفَاسِدَةُ
وهِيَ عُقُولٌ انْحَرَفَتْ عَنْ جَادَّةِ الْحَقِّ، فَلَمْ تَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ الْجَهْلِ فَحَسْبُ، بَلْ تَجَاوَزَتْهُ إِلَى التَّلَاعُبِ بِالنُّصُوصِ وَتَطْوِيعِهَا لِخِدْمَةِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَصَالِحِ، تَنْظُرُ إِلَى الْوَحْيِ نَظْرَةً سَطْحِيَّةً مُبْتَوَرَةً، تَنْتَقِي مِنْهُ مَا يُوَافِقُ رَغَبَاتِهَا، وَتُقْصِي مَا يُخَالِفُهَا، ثُمَّ تُلْبِسُ ذَلِكَ ثَوْبَ التَّأْوِيلِ لِتَمْنَحَ بَاطِلَهَا مَسْحَةً مِنَ الشَّرْعِيَّةِ.
لَا تَقِفُ عِنْدَ ضَعْفِ الْفَهْمِ، بَلْ تَمْضِي إِلَى تَحْرِيفِ الْمَعْنَى، وَتَوْجِيهِ النُّصُوصِ لِهَدْمِ الثَّوَابِتِ، وَبَثِّ الِاضْطِرَابِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ، وَزَعْزَعَةِ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ وَالْقِيَمِيِّ، فَهِيَ بِذَلِكَ لَا تُسِيءُ إِلَى نَفْسِهَا فَحَسْبُ، بَلْ تُسْهِمُ فِي نَشْرِ الْفِتْنَةِ، وَتُحْدِثُ شَرْخًا فِي وَعْيِ النَّاسِ، حِينَ تَجْعَلُ مِنَ النَّصِّ – الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ هِدَايَةٍ – أَدَاةَ تَضْلِيلٍ وَإِفْسَادٍ.
وَهَذِهِ الْعُقُولُ أَخْطَرُ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ سُوءِ الْفَهْمِ وَفَسَادِ الْقَصْدِ، فَلَا تَهْتَدِي إِلَى الْحَقِّ، وَلَا تَدَعُ غَيْرَهَا يَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَكَانَ عِلَاجُهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى مَنْهَجِ الْعُلَمَاءِ، وَتَجْرِيدِ النِّيَّةِ لِلَّهِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ النُّصُوصِ بِفَهْمٍ سَلِيمٍ يَرُدُّهَا إِلَى مَقَاصِدِهَا الصَّحِيحَةِ، وَيَصُونُهَا مِنَ الْعَبَثِ وَالتَّحْرِيفِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْعُقُولِ الْفَاسِدَةِ: الْخَوَارِجُ وَالْبَاطِنِيَّةُ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ فِي التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ لِلنُّصُوصِ، وَتَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي.
وَقَدْ جَاءَتْ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى سُوءِ الْفَهْمِ وَفَسَادِ التَّأْوِيلِ، حَيْثُ مَرَّ الْخَوَارِجُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانُوا قَدْ كَفَّرُوهُ بِدَعْوَى أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 57]، فَأَثْنَى عَبْدُ اللَّهِ عَلَى عَلِيٍّ، فَقَتَلُوهُ وَذَبَحُوهُ كَمَا تُذْبَحُ النَّعْجَةُ، ثُمَّ سَأَلُوا امْرَأَتَهُ فَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَذَبَحُوهَا كَمَا تُذْبَحُ النَّعْجَةُ، وَبَقَرُوا بَطْنَهَا وَاسْتَخْرَجُوا جَنِينَهَا، ثُمَّ مَرُّوا عَلَى حَائِطٍ لِلنَّخِيلِ سَقَطَتْ بَعْضُ تَمَرَاتِهِ خَارِجَ أَسْوَارِهِ، فَانْحَنَى أَحَدُهُمْ لِيَلْتَقِطَ تَمْرَةً، فَقَالُوا لَهُ: مَهْ مَهْ! كَيْفَ تَسْتَحِلُّ تَمْرَةً لَمْ يَأْذَنْ لَكَ صَاحِبُهَا؟! وَأَيْدِيهِمْ مُلَطَّخَةٌ بِدِمَاءِ عَبْدِ اللَّهِ وَامْرَأَتِهِ!
فَتَأَمَّلْ – رَحِمَكَ اللَّهُ – كَيْفَ سَاءَ فَهْمُهُمْ لِلنُّصُوصِ حَتَّى أَحَلُّوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَمْرَةً سَاقِطَةً! وَهَذَا هُوَ أَثَرُ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ وَسُوءِ الْفَهْمِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
⚫ ثَالِثًا: مَنْهَجُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ

إِنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ – الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 7] – لَهُمْ مَنْهَجٌ قَوِيمٌ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ، وَأُصُولٌ رَاسِخَةٌ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا لِاسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي الصَّحِيحَةِ، وَدَرْءِ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ. وَإِلَى بَيَانِ هَذِهِ الْمَنَاهِجِ:
● أَوَّلًا: جَمْعُ النُّصُوصِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ .
– إِنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لَا يَكْتَفُونَ بِآيَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ حَدِيثٍ مُفْرَدٍ، بَلْ يَدْرُسُونَ النُّصُوصَ الْمُتَعَدِّدَةَ وَسِيَاقَاتِهَا، وَيُقَارِنُونَهَا، وَيُوَازِنُوا بَيْنَ الْمُرَادِ الْإِلَهِيِّ فِي كُلِّ نَصٍّ، لِيَخْرُجُوا بِالِاسْتِنْتَاجِ الَّذِي يُحَقِّقُ الْمَقْصَدَ الشَّرْعِيَّ بِكَمَالِهِ وَعَدَالَتِهِ.
هَذَا الْجَمْعُ يُجَنِّبُ الْإِنْسَانَ الِانْحِرَافَ عَنِ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ، وَيَقِيهِ مِنَ الْغُلُوِّ أَوِ التَّفْرِيطِ، وَيَصُونُهُ مِنْ إِسَاءَةِ التَّطْبِيقِ أَوْ سُوءِ التَّأْوِيلِ.
فَالرَّاسِخُونَ يَعْرِفُونَ أَنَّ النُّصُوصَ مُتَشَابِكَةُ الْأَبْعَادِ، وَكُلُّ نَصٍّ يُكْمِلُ الْآخَرَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ وَمِنْهَا مَا هُوَ عَامٌّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُجْمَلٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُفَصَّلٌ، وَفَهْمُهَا فِي مَجْمُوعِهَا هُوَ السَّبِيلُ لِإِدْرَاكِ الْمَقَاصِدِ الْإِلَهِيَّةِ وَتَحْقِيقِ الْهِدَايَةِ الْمَرْجُوَّةِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 191]. فَقَدْ يَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كُلِّ النَّاسِ، لَكِنَّنَا إِذَا جَمَعْنَا النُّصُوصَ وَالنَّظَرَ إِلَى السِّيَاقِ وَجَدْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَتَحَدَّثُ عَنْ حَالَةِ الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ: 8].
● ثَانِيًا: مَعْرِفَةُ سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ سَبَبِ وُرُودِ الْحَدِيثِ .
– إِنَّ مَعْرِفَةَ سَبَبِ النُّزُولِ لِلْآيَاتِ، وَسَبَبِ وُرُودِ الْأَحَادِيثِ، مِنْ أَهَمِّ مَنَاهِجِ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ، لِأَنَّ هَذَا السِّيَاقَ يُضِيءُ الْمُرَادَ الْإِلَهِيَّ، وَيَكْشِفُ الْحِكْمَةَ مِنَ التَّشْرِيعِ. فَالنُّصُوصُ لَمْ تُنْزَلْ أَوْ تُرْوَ عَنْ عَبَثٍ، بَلْ جَاءَتْ فِي مَوَاقِفَ مُحَدَّدَةٍ، وَرَدَّتْ لِتُجِيبَ عَنْ قَضِيَّةٍ، أَوْ تَحْكُمَ فِي مَوْقِفٍ، أَوْ تُوَجِّهَ لِأَمْرٍ مُهِمٍّ. فَمَنْ أَدْرَكَ سَبَبَ النُّزُولِ أَوْ سَبَبَ الْحَدِيثِ، فَهِمَ الْمَقْصُودَ الْحَقِيقِيَّ، وَتَمَكَّنَ مِنْ تَطْبِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَاقِعِ بِمَا يَتَوَافَقُ مَعَ الشَّرِيعَةِ. أَمَّا مَنْ أَغْفَلَ هَذَا الْعَامِلَ، فَقَدْ يُحَمِّلُ النَّصَّ مَعْنًى أَوْسَعَ أَوْ أَضْيَقَ مِمَّا أَرَادَهُ اللَّهُ، فَيَقَعُ فِي سُوءِ الْفَهْمِ أَوِ التَّأْوِيلِ الْخَاطِئِ، وَقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَالِ التَّطْبِيقِ أَوْ إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ النَّاسِ.
قَالَ الشَّمْسُ الْبِرْمَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “وَمِمَّا يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي إِيقَاعِ الِاجْتِهَادِ: أَنْ يَعْرِفَ أَسْبَابَ النُّزُولِ فِي الْآيَاتِ، وَأَسْبَابَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَحَادِيثَ؛ لِيَعْرِفَ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ تَخْصِيصٍ أَوْ تَعْمِيمٍ” [الْفَوَائِدُ السَّنِيَّةُ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ].
● ثَالِثًا: فَهْمُ النَّصِّ فِي ضَوْءِ لُغَةِ الْعَرَبِ .
– إِنَّ فَهْمَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لَا يَتِمُّ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إِلَّا بِإِحْكَامِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْإِلْمَامِ بِبَلَاغَتِهَا وَأَدَوَاتِهَا وَمَعَانِي أَلْفَاظِهَا وَمَجَازِهَا. فَالْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ قَدْ تَحْمِلُ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةً بِحَسَبِ السِّيَاقِ، وَالْجُمْلَةُ قَدْ يَتَغَيَّرُ مُرَادُهَا بِتَغَيُّرِ الْأُسْلُوبِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْبِنَاءِ. فَمَنْ عُنِيَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَاسْتَوْعَبَ مُفْرَدَاتِهَا وَأَوْجُهَ الْبَيَانِ فِيهَا، اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْتَحَ لِلنَّصِّ آفَاقًا مِنَ الْفَهْمِ لَمْ تَكُنْ لِتَظْهَرَ لِمَنْ لَمْ يُعْمِنِ النَّظَرَ فِي لُغَتِهِ، أَمَّا مَنْ أَهْمَلَ اللُّغَةَ، فَقَدْ يُفَسِّرُ النَّصَّ تَأْوِيلًا خَاطِئًا، وَيَصْطَدِمُ بِالْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ يُفَوِّتُ مُرَادَ اللَّهِ.
قَالَ الشَّمْسُ الْبِرْمَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ عَرَبِيَّانِ، فَلَا بُدَّ لِلْمُسْتَدِلِّ بِهِمَا مِنْ مَعْرِفَةِ لُغَةِ الْعَرَبِ، بَلْ هُمَا أَفْصَحُ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: 2]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 103]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 4]” [الْفَوَائِدُ السَّنِيَّةُ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ].
● رَابِعًا: مُرَاعَاةُ فِقْهِ الْمَآلَاتِ وَفِقْهِ الْوَاقِعِ .
– لَا بُدَّ لِصِنَاعَةِ فَهْمٍ صَحِيحٍ أَمِينٍ عَلَى هَدْيِ الْقُرْآنِ وَعُلُومِهِ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ عِظَامٍ: وَهِيَ مَعْرِفَةُ الْوَحْيِ الشَّرِيفِ، وَمَعْرِفَةُ مَنَاهِجِ فَهْمِهِ، وَالْإِلْمَامُ بِالْوَاقِعِ إِلْمَامًا صَحِيحًا. فَمَنْ تَجَرَّأَ عَلَى النَّصِّ وَتَمَرَّدَ عَلَى الْمَنْهَجِ وَغَلَّبَ الْوَاقِعَ، أَوْ أَهْمَلَ الْوَاقِعَ وَتَعَامَلَ مَعَ النَّصِّ بِجُمُودٍ، فَقَدْ أَخْطَأَ سَبِيلَ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ.
وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 108]. فَهَذِهِ الْآيَةُ تَحْظُرُ سَبَّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ، وَهُوَ سَبُّهُمُ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا.
قَالَ الْإِمَامُ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “رُبَّ طَاعَةٍ عُلِمَ أَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى مَفْسَدَةٍ، فَتَخْرُجُ عَنْ أَنْ تَكُونَ طَاعَةً، فَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، لَا لِأَنَّهَا طَاعَةٌ، كَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ هُوَ مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى زِيَادَةِ الشَّرِّ انْقَلَبَ إِلَى مَعْصِيَةٍ، وَوَجَبَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ” [الْكَشَّافُ عَنْ حَقَائِقِ التَّنْزِيلِ].
– وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
“وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ، أَوْ تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ فِعْلِ الْمَصْلَحَةِ وَتَرْكِ الْمَفْسَدَةِ، بُدِئَ بِالْأَهَمِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ نَقْضَ الْكَعْبَةِ وَرَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَصْلَحَةٌ، وَلَكِنْ تَعَارَضَهُ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَهِيَ خَوْفُ فِتْنَةِ مَنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا” [فَتْحُ الْمُنْعِمِ: مُوسَى شَاهِينٌ لَاشِينُ].
● خَامِسًا: الرُّجُوعُ إِلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ
– إِنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هُمْ خَيْرُ مَنْ يَفْهَمُ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ، لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا التَّنْزِيلَ، وَعَرَفُوا السِّيَاقَ، وَشَاهَدُوا تَطْبِيقَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنُّصُوصِ عَلَى الْوَاقِعِ، فَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمُرَادِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَلِهَذَا كَانَ الرُّجُوعُ إِلَى فَهْمِهِمْ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ التَّفْسِيرِ وَالْفَهْمِ الصَّحِيحِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: “التَّفْسِيرُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: وَجْهٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ تَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى” [رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ].
وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَاتِّبَاعِ السُّبُلِ الْمُخَالِفَةِ، فَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ].
● سَادِسًا: مَعْرِفَةُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ .
– إِنَّ غِيَابَ الْمَعْرِفَةِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَغِيَابَ الْمَعْرِفَةِ بِالسُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ، يُتْرِكَانِ خَلَلًا كَبِيرًا فِي الْفَهْمِ، وَمَنْ لَمْ يُحِطْ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْعُلُومِ فَسَدَ فَهْمُهُ لِلنَّصِّ، وَفَسَدَ فَهْمُهُ لِلْوَاقِعِ.
فَمَقَاصِدُ الشَّرِيعَةِ – وَهِيَ الْمَصَالِحُ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ لِتَحْقِيقِهَا، وَهِيَ حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ – تُعِينُ عَلَى فَهْمِ النُّصُوصِ فَهْمًا مَقْصِدِيًّا، وَتَمْنَعُ الْوُقُوعَ فِي التَّأْوِيلَاتِ الْخَاطِئَةِ الَّتِي تُخَالِفُ رُوحَ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدَهَا الْعَامَّةَ.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتِمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ يَسْتَنْبِطُ مِنَ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ أَوْ يُعَمِّمُهُ، وَلَا يَسْتَنْبِطُ مِنْهُ نَصًّا يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ” [الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةُ الْكُبْرَى].
⚫ رَابِعًا: أَسْبَابُ سُوءِ الْفَهْمِ وَالتَّأْوِيلِ الْخَاطِئِ

– إِنَّ سُوءَ الْفَهْمِ وَسُوءَ التَّأْوِيلِ لَهُ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ، وَدَوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٌ، وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ تُسَاعِدُنَا عَلَى تَجَنُّبِهَا وَالْوِقَايَةِ مِنْهَا. وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الْأَسْبَابِ:
● أَوَّلًا: تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ .
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُوقِعُ فِي اللَّبْسِ وَيُفْضِي إِلَى الِانْحِرَافِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ؛ إِذْ يَكُونُ النَّاسُ فِي مَوْقِفٍ يَتَطَلَّبُ وُضُوحَ الْحُكْمِ وَبَيَانَ الْمُرَادِ، فَإِذَا غَابَ الْبَيَانُ أَوْ تَأَخَّرَ، تَفَرَّقَتِ الْأَفْهَامُ، وَاشْتَغَلَ كُلٌّ بِتَفْسِيرِ النَّصِّ بِحَسَبِ ظَنِّهِ، فَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ، وَرُبَّمَا نَشَأَتِ الْفِتْنَةُ.
وَالْأَصْلُ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْبَيَانَ لَا يُؤَخَّرُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّصِّ هُوَ الْهِدَايَةُ وَالْإِرْشَادُ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الْغُمُوضِ أَوِ الْإِبْهَامِ فِي مَوْطِنٍ يَقْتَضِي الْإِيضَاحَ، فَإِذَا لَمْ يُبَيَّنِ الْمُجْمَلُ، أَوْ لَمْ تُفَصَّلِ الدَّلَالَةُ فِي وَقْتِهَا، فُتِحَ الْبَابُ أَمَامَ التَّأْوِيلَاتِ الْخَاطِئَةِ، وَالتَّطْبِيقَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ.
وَقَدْ وَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسُسَ الْبَيَانِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي حُجْرَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا – أَوْ قَالَ: شَرًّا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ].
● ثَانِيًا: عَدَمُ مُرَاعَاةِ حَالِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ التَّكَلُّمِ أَوِ التَّصَرُّفِ.
– فَإِغْفَالُ حَالِ الْمُخَاطَبِ وَظُرُوفِهِ عِنْدَ الْبَيَانِ أَوِ الْفَتْوَى أَوِ التَّوْجِيهِ يُؤَدِّي إِلَى سُوءِ الْفَهْمِ؛ فَالْكَلَامُ – وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي ذَاتِهِ – قَدْ يُؤْتِي أَثَرًا عَكْسِيًّا إِذَا وُجِّهَ لِغَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْ قُدِّمَ فِي غَيْرِ سِيَاقِهِ، أَوْ أُعْطِيَ لِمَنْ لَا يَتَهَيَّأُ لِفَهْمِهِ عَلَى وَجْهِهِ الصَّحِيحِ.
فَلَيْسَ النَّاسُ سَوَاءً فِي عُقُولِهِمْ، وَلَا فِي مَدَارِكِهِمْ، وَلَا فِي أَحْوَالِهِمْ؛ فَمِنْهُمُ الْمُبْتَدِئُ وَالْمُتَعَلِّمُ، وَمِنْهُمُ الْعَامِّيُّ وَالْعَالِمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَحْكُمُهُ ظُرُوفٌ خَاصَّةٌ أَوْ نَوَازِلُ دَقِيقَةٌ، وَلِكُلٍّ خِطَابٌ يُنَاسِبُهُ، وَأُسْلُوبٌ يَلِيقُ بِهِ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَاطِبُ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ، فَيُرَاعِي أَحْوَالَهُمْ، وَيُنَزِّلُ الْكَلَامَ مَنَازِلَهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْحَقِّ وَحُسْنِ الْعَرْضِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا بِحَدِيثٍ لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ” [رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ].
قَالَ الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “وَلَا تَجْمُدْ عَلَى الْمَسْطُورِ فِي الْكُتُبِ طُولَ عُمْرِكَ، بَلْ إِذَا جَاءَكَ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ إِقْلِيمِكَ يَسْتَفْتِيكَ؛ لَا تُجْرِهِ عَلَى عُرْفِ بَلَدِكَ، وَاسْأَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ، وَأَجْرِهِ عَلَيْهِ، وَأَفْتِهِ بِهِ دُونَ عُرْفِ بَلَدِكَ وَالْمُقَرَّرِ فِي كُتُبِكَ؛ فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ، وَالْجُمُودُ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ أَبَدًا ضَلَالٌ فِي الدِّينِ، وَجَهْلٌ بِمَقَاصِدِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ” [الْفُرُوقُ لِلْقَرَافِيِّ].
● ثَالِثًا: التَّسَرُّعُ فِي تَأْوِيلِ الْكَلَامِ وَالتَّسْلِيمُ بِصِحَّةِ كُلِّ مَا يُنْقَلُ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ دُونَ تَثَبُّتٍ .
فَالْعَجَلَةُ فِي تَفْسِيرِ الْكَلَامِ، وَالْحُكْمُ عَلَى الْمَقَاصِدِ مِنْ أَوَّلِ وَلْهَةٍ دُونَ تَثَبُّتٍ أَوْ إِحَاطَةٍ بِالسِّيَاقِ مِنْ عَلَامَاتِ الْجَهْلِ؛ فَيُحْمَلُ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، وَتُبْنَى عَلَيْهِ مَوَاقِفُ قَدْ تَكُونُ بَعِيدَةً عَنِ الْحَقِّ، وَيَزْدَادُ الْخَطَرُ حِينَ يَقْتَرِنُ ذَلِكَ بِالثِّقَةِ الْعَمْيَاءِ بِكُلِّ مَا يُتَدَاوَلُ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، دُونَ تَمْحِيصٍ أَوْ تَحَقُّقٍ.
فَكَمْ مِنْ نَصٍّ اقْتُطِعَ مِنْ سِيَاقِهِ، أَوْ خَبَرٍ زُخْرِفَ بِالْبَاطِلِ، فَانْتَشَرَ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ فِي أَصْلِهِ مُحَرَّفٌ أَوْ مَكْذُوبٌ.
وَقَدْ أَرْشَدَنَا الشَّرْعُ إِلَى أَصْلٍ عَظِيمٍ يَحْفَظُ الْعُقُولَ مِنَ الزَّلَلِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 6].
فَالتَّثَبُّتُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَالتَّرَوِّي قَبْلَ التَّأْوِيلِ، مِنْ سِمَاتِ الْعَاقِلِ الْحَصِيفِ.
● رَابِعًا: أَخْذُ النُّصُوصِ دُونَ عِلْمٍ .
– التَّجَرُّؤُ عَلَى تَنَاوُلِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ عِلْمٍ رَاسِخٍ، وَلَا أَدَوَاتٍ تُعِينُ عَلَى إِدْرَاكِ مُرَادِهَا، أَمْرٌ خَطِيرٌ جِدًّا؛ فَيَتَصَدَّى لَهَا مَنْ لَمْ يُحْكِمْ أُصُولَهَا، وَلَمْ يُدْرِكْ قَوَاعِدَهَا، فَيَحْمِلُهَا عَلَى ظَاهِرٍ قَاصِرٍ، أَوْ يُنَزِّلُهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، فَيَقَعُ فِي الزَّلَلِ وَيُوقِعُ غَيْرَهُ فِيهِ.
وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ بِأَشَدِّ التَّحْذِيرِ، فَقَالَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ، أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي “السُّنَنِ الْكُبْرَى”، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ].
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ الْأَلْبَانِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ].
● خَامِسًا: الْجَهْلُ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَسُوءُ النِّيَّةِ .
فَالْجَهْلُ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ لَا يُدْرِكُ مَقَاصِدَ النُّصُوصِ، وَيَقِفُ عِنْدَ الظَّاهِرِ فَقَطْ، وَالْهَوَى يُزَيِّنُ لَهُ تَأْوِيلًا مُوَافِقًا لِرَغَبَاتِهِ، وَسُوءُ النِّيَّةِ يُحَوِّلُ النَّصَّ مِنْ هِدَايَةٍ وَرَحْمَةٍ إِلَى أَدَاةٍ لِلْإِفْسَادِ، أَوْ لِلتَّسَلُّطِ عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 7].
وَعَنْ عَطَاءَ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُخْبِرُ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلَامٌ، فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؟» [رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ الْأَلْبَانِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ].
فَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي أُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ مَعَ وُجُودِ الْجُرْحِ، وَمَاتَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ، لَمْ يَسْأَلْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي حَالِهِ، وَتَصَرَّفَ بِجَهْلٍ، فَقَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؟».
⚫ خَامِسًا: الْآثَارُ السَّلْبِيَّةُ لِسُوءِ الْفَهْمِ وَالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ .

– إِنَّ لِسُوءِ الْفَهْمِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ آثَارًا سَلْبِيَّةً خَطِيرَةً تَطَالُ الْفَرْدَ وَالْمُجْتَمَعَ وَالْأُمَّةَ بِأَسْرِهَا. وَمِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ الْآثَارِ:
● أَوَّلًا: الْفُرْقَةُ وَالِاخْتِلَافُ.
– التَّأْوِيلُ الْفَاسِدُ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَضُرُّ النَّصَّ نَفْسَهُ، بَلْ يَنْعَكِسُ أَثَرُهُ الْمُدَمِّرُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ وَالْأُمَّةِ، إِذْ يُثِيرُ الْفُرْقَةَ، وَيُغَذِّي الِاخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَنْ حَمَلَ النَّصَّ عَلَى غَيْرِ مَقْصُودِهِ، أَوْ فَسَّرَهُ وَفْقَ هَوَاهُ، أَصْبَحَ سَبَبًا لِلِاخْتِلَافِ عَلَى الْحَقِّ، وَتَشَتُّتِ الصُّفُوفِ، وَازْدِيَادِ النِّزَاعَاتِ، وَرُبَّمَا نَشَبَتِ الْخُصُومَاتُ عَلَى أَسَاسِ ظَاهِرٍ خَاطِئٍ أَوْ فَهْمٍ مُنْحَرِفٍ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 103].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 159].
وَمَا الْخَوَارِجُ وَالْبَاطِنِيَّةُ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمَا مِنَ الْمُحْدَثِينَ إِلَّا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْفَهْمِ غَيْرِ السَّدِيدِ.
● ثَانِيًا: التَّكْفِيرُ .
– إِنَّ سُوءَ التَّأْوِيلِ وَسُوءَ الِاسْتِدْلَالِ قَدْ يَسْحَبُ صَاحِبَهُ إِلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى مُخَالِفِيهِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الدِّينِ، مَعَ أَنَّ الِانْحِرَافَ قَدْ حَدَثَ مِنْ جِهَتِهِ، وَبِذَلِكَ يَشْمَلُهُ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
ولقد اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْمِلَّةِ إِلَّا بِإِنْكَارِهِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَقَدْ عَقَدَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابًا بِعُنْوَانِ: «الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ»؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 48].
لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْكُفْرِ سَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ خَطِيرَةٌ كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَعَدَمِ ثُبُوتِ التَّوَارُثِ… إِلَخْ، ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى هَذَا هُوَ الْقَضَاءُ الْمُسْتَنِدُ عَلَى أَدِلَّتِهِ؛ حَتَّى لَا تَعُمَّ الْفَوْضَى فِي الْمُجْتَمَعِ.
وَصَدَقَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ قَالَ: “لَا يُسَارِعُ إِلَى التَّكْفِيرِ إِلَّا الْجَهَلَةُ” [فَيْصَلُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ].
● ثَالِثًا: الْغُلُوُّ وَالتَّطَرُّفُ .
– بَعْضُ النَّاسِ يَأْخُذُ آيَاتِ الْجِهَادِ دُونَ فَهْمِ شُرُوطِهَا وَضَوَابِطِهَا، مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الرَّحْمَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 107].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 61].
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَالْمُتَنَطِّعُونَ هُمُ الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالُونَ الَّذِينَ يُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي الدِّينِ.
● رَابِعًا: تَشْوِيهُ صُورَةِ الْإِسْلَامِ .
– وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يُتْقِنُونَ مَسَائِلَ الْعِلْمِ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ يَتَصَدَّرُونَ الْمَشْهَدَ؛ مِمَّا يُنْتِجُ عَنْهُ تَشْوِيهُ الْإِسْلَامِ فِي عُيُونِ الْآخَرِينَ. وَحَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ اللَّهِ السَّلِيمَ؛ لَا بُدَّ مِنَ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ الشَّرْعِ الْحَنِيفِ بِسُؤَالِ الْمُتَخَصِّصِينَ وَأَهْلِ الذِّكْرِ، مُصْدَاقًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 83].
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ وَعَنْ عُلَمَائِهِمْ وَأُمَنَائِهِمْ، فَإِذَا أَخَذُوهُ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا” [رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي “حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ”].
● خَامِسًا: إِحْبَاطُ النَّاسِ وَتَقْنِيطُهُمْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى
– يَفْهَمُ بَعْضُ الْمُغَالِينَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 27] تَكْفِيرَ أَوْ تَفْسِيقَ مُرْتَكِبِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلًا، مَعَ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: “مَذْهَبُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ بِالتَّأْوِيلِ، فَكَفَّرُوا النَّاسَ بِصِغَارِ الذُّنُوبِ وَكِبَارِهَا، وَقَدْ عَلِمْتُ مَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُرُوقِ وَمَا أَذِنَ فِيهِمْ مِنْ سَفْكِ دِمَائِهِمْ، ثُمَّ قَدْ وَجَدْنَا اللَّهَ يُكَذِّبُ مَقَالَتَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَكَمَ فِي السَّارِقِ بِقَطْعِ الْيَدِ وَفِي الزَّانِي وَالْقَاذِفِ بِالْجَلْدِ، وَلَوْ كَانَ الذَّنْبُ يُكَفِّرُ صَاحِبَهُ مَا كَانَ الْحُكْمُ عَلَى هَؤُلَاءِ إِلَّا الْقَتْلُ …، وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ فِيمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 33]، فَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ كُفْرًا مَا كَانَ لِلْوَلِيِّ عَفْوٌ وَلَا أَخْذُ دِيَةٍ، وَلَزِمَهُ الْقَتْلُ” [الْإِيمَانُ وَمَعَالِمُهُ وَسُنَنُهُ وَاسْتِكْمَالُهُ وَدَرَجَاتُهُ لِلْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ].
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 53].
⚫ سَادِسًا: خَاتِمَةٌ وَتَوْصِيَاتٌ
أَيُّهَا السَّادَةُ الكرام :
بَعْدَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْعِلْمِيَّةِ فِي بَيَانِ مَنْزِلَةِ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ، وَأَقْسَامِ الْعُقُولِ، وَمَنَاهِجِ الرَّاسِخِينَ، وَأَسْبَابِ سُوءِ الْفَهْمِ وَآثَارِهِ، نَخْتِمُ مُحَاضَرَتَنَا بِتَوْصِيَاتٍ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهَا:
● أَوَّلًا: التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهْمًا صَحِيحًا
عَلَيْنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَفْهَمَهُمَا فَهْمًا صَحِيحًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» [رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ].
● ثَانِيًا: الرُّجُوعُ إِلَى الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ
عَلَيْنَا أَنْ نَرْجِعَ إِلَى الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَأَهْلِ الذِّكْرِ، وَنَأْخُذَ الْعِلْمَ عَنْ أَفْوَاهِهِمْ، وَلَا نَتَجَرَّأَ عَلَى النُّصُوصِ بِأَهْوَائِنَا أَوْ بِفُهُومِنَا الْقَاصِرَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 43].
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
● ثَالِثًا: التَّثَبُّتُ وَتَرْكُ التَّسَرُّعِ فِي الْأَحْكَامِ
عَلَيْنَا أَنْ نَتَثَبَّتَ وَنَتَرَوَّى فِي فَهْمِ النُّصُوصِ، وَلَا نُسْرِعَ فِي إِصْدَارِ الْأَحْكَامِ أَوِ التَّكْفِيرِ أَوِ التَّفْسِيقِ، وَأَنْ نَتَذَكَّرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 6].
وَقَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّأَنِّيَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ الْأَلْبَانِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ].
● رَابِعًا: تَعْلِيمُ النَّاسِ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ
عَلَيْنَا أَنْ نُعَلِّمَ النَّاسَ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ وَأَهْدَافَهَا الْكُلِّيَّةَ، كَحِفْظِ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسْلِ وَالْمَالِ، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ لِتَحْقِيقِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَأَنَّ الْأَحْكَامَ تُبْنَى عَلَى الْحِكَمِ وَالْعِلَلِ وَالْمَقَاصِدِ.
● خَامِسًا: الْحَذَرُ مِنَ الْغُلُوِّ وَالتَّطَرُّفِ وَالتَّكْفِيرِ
عَلَيْنَا أَنْ نَحْذَرَ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، وَالتَّطَرُّفِ فِي الْأَحْكَامِ، وَالتَّكْفِيرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْأَسْبَابِ لِفَسَادِ الْفَهْمِ وَتَشْوِيهِ صُورَةِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ الْأَلْبَانِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ].
● سَادِسًا: الدُّعَاءُ بِالْفَهْمِ الصَّحِيحِ
عَلَيْنَا أَنْ نُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ لِلَّهِ أَنْ يَرْزُقَنَا الْفَهْمَ الصَّحِيحَ لِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، كَمَا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

وَلْنَخْتِمْ بِدُعَاءِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 8]. 

اكتب تعليق

أحدث أقدم