مقال بعنوان: أسد
بقلم ا.د إبراهيم مرجونة
في زمن أصبحت فيه السينما أكثر قدرة على تشكيل الوعي من الكتب أحيانًا، يطل فيلم أسد، من تأليف وإخراج محمد دياب، وبمشاركة شيرين دياب في الكتابة، ومن بطولة محمد رمضان، ضمن إنتاج ضخم سعى إلى تقديم عمل يحمل طابعًا تاريخيًا وإنسانيًا واسعًا. غير أن هذا المقال لا يتوقف عند جودة الفيلم من الناحية التقنية أو البصرية، ولا عند مستوى الأداء التمثيلي أو الصناعة السينمائية، فهذه أمور يختلف حولها الذوق والنقد الفني. إنما يحاول التوقف أمام الفكرة التي يطرحها العمل، والخطاب الذي يسعى إلى ترسيخه عن المجتمع المصري وتاريخه، خاصة فيما يتعلق بتصوير مصر وكأنها عرفت عبر تاريخها شكلاً من أشكال العنصرية اللونية المنظمة، وهي رؤية تستحق النقاش والمراجعة، لأن حرية الإبداع لا تعني بالضرورة إعادة تشكيل الواقع أو تحميل التاريخ ما لم يعرفه.
الفن مساحة واسعة للخيال، ومن حق السينما أن تناقش القهر الإنساني والظلم والتمييز، وأن تقترب من المناطق الحساسة في التاريخ والمجتمع، لكن الأزمة تبدأ حين يتحول الخيال إلى وسيلة لإعادة تشكيل الوعي عبر وقائع لم تحدث أصلًا، أو حين يُقدَّم العمل الفني باعتباره “كشفًا للحقيقة” بينما هو في الواقع يصنع سردية جديدة لا تستند إلى التاريخ ولا إلى طبيعة المجتمع الذي يتحدث عنه.
ومن هنا جاء الجدل حول فيلم أسد، الذي حاول – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – أن يرسخ فكرة أن مصر عرفت عبر تاريخها “عنصرية لونية” ممنهجة، وكأن المجتمع المصري كان يقيم البشر وفق ألوانهم، في صورة تبدو أقرب إلى استنساخ تجارب تاريخية تخص مجتمعات أخرى، لا المجتمع المصري بتكوينه الحضاري والاجتماعي المعروف.
فمن يقرأ تاريخ مصر بإنصاف يدرك أن الشخصية المصرية لم تُبنَ يومًا على فكرة النقاء العرقي أو الفصل بين البشر بحسب اللون. مصر كانت عبر العصور نقطة امتزاج حضاري وإنساني؛ اختلط فيها العربي بالإفريقي، والنوبي بالمشرقي، والتركي بالشركسي، وغيرهم من مكونات صنعت جميعها ما يُعرف بالهوية المصرية. ولهذا لم يعرف التاريخ المصري قوانين للفصل العنصري، ولا مؤسسات قامت على التمييز اللوني كما حدث في تجارب تاريخية أخرى عرفها العالم.
صحيح أن أي مجتمع بشري قد يعرف أشكالًا من التحيز أو الصور النمطية أو حتى التنمر الاجتماعي، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين تصرفات فردية أو موروثات اجتماعية محدودة، وبين تحويل الأمر إلى “نظام عنصري” متكامل. وهنا تبدو المشكلة الأساسية في الفيلم؛ إذ يخلط – بحسب منتقديه – بين بعض التفاوتات الاجتماعية أو المواقف الفردية، وبين العنصرية المؤسسية ذات الجذور التاريخية، وهي مغالطة تؤدي في النهاية إلى تكوين صورة ذهنية مضللة عن المجتمع المصري.
والأخطر أن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي واحدة من أقوى أدوات تشكيل الوعي الجمعي. فالكثير من الناس، داخل العالم العربي وخارجه، يتعرفون إلى الشعوب وتاريخها من خلال الشاشة أكثر مما يتعرفون إليها عبر الكتب والدراسات الأكاديمية. وحين يشاهد متلقٍ أجنبي عملًا يقدم مصر باعتبارها مجتمعًا تحكمه العنصرية اللونية، فقد يتعامل مع ذلك بوصفه “حقيقة تاريخية”، خاصة إذا لم يكن يمتلك معرفة كافية بالسياق الحقيقي للمجتمع المصري.
وهنا تصبح القضية أعمق من مجرد فيلم؛ لأنها ترتبط بالصورة الذهنية لشعب كامل، وبكيفية إعادة تقديم تاريخه وثقافته للعالم. فالفن حين يتعامل مع التاريخ لا يصبح حرًا تمامًا من المسؤولية، لأن هناك فرقًا واضحًا بين التأويل الفني وبين تزييف الواقع. من حق الكاتب أن يبدع ويتخيل، لكن ليس من حقه أن يحمّل المجتمع ما لم يعرفه، أو أن يعيد كتابة التاريخ وفق قوالب فكرية مستوردة من سياقات مختلفة.
ويبدو أن بعض الأعمال الحديثة باتت واقعة تحت تأثير موجة عالمية تحاول قراءة كل المجتمعات من زاوية الصراع العرقي والتمييز اللوني، وكأن الطريق إلى “العالمية” يمر عبر إسقاط النماذج الغربية على كل الثقافات الأخرى، حتى لو كانت هذه المجتمعات تختلف تاريخيًا واجتماعيًا عن تلك التجارب. وهكذا تتحول بعض الأعمال إلى محاولات لإعادة تشكيل الماضي بما يناسب خطابًا معاصرًا رائجًا، لا بما يعكس الحقيقة التاريخية.
كما أن جزءًا من الأزمة يعود إلى أن بعض الإنتاجات الفنية أصبحت تراهن على الصدمة أكثر من رهانها على العمق. فكلما كانت الفكرة أكثر استفزازًا وإثارة للجدل، زادت فرص انتشارها إعلاميًا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. ولهذا نرى أحيانًا أعمالًا تهدم الصور المستقرة للمجتمعات لا بهدف النقد الحقيقي أو القراءة العميقة، بل بهدف صناعة الضجة وإثارة الجدل.
لكن الفن العظيم لا يحتاج إلى اختلاق تاريخ بديل حتى يكون مؤثرًا، ولا يحتاج إلى تشويه المجتمعات حتى يبدو جريئًا. فالقيمة الحقيقية لأي عمل فني تكمن في صدقه وقدرته على الاقتراب من الإنسان دون تزوير وعيه أو العبث بذاكرته الجمعية.
إن الدفاع عن حرية الرأي لا يعني أبدًا منع نقد الأعمال الفنية أو مساءلتها فكريًا. فحرية الإبداع حق أصيل، لكنها لا تعني أن يتحول التاريخ إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل بلا ضوابط، ولا أن تصبح الشاشة وسيلة لفرض سرديات غير دقيقة على المشاهدين. فمثلما يملك الفنان حق تقديم رؤيته، يملك المجتمع أيضًا حق مناقشتها ورفضها إذا وجد أنها تصادم الحقيقة أو تقدم صورة مشوهة عنه.
وفي النهاية، قد ينجح أي فيلم في إثارة الانفعال أو الجدل، لكنه لن يستطيع تغيير الحقائق الراسخة. فمصر، بتاريخها الطويل وتركيبتها الإنسانية المتنوعة، لم تُعرف يومًا بأنها مجتمع قام على العنصرية اللونية، ومحاولة تقديمها بهذه الصورة ليست قراءة للتاريخ بقدر ما هي إعادة اختراع له. وبين حرية الفن وحقائق الواقع يبقى السؤال الأهم: هل وظيفة السينما أن تكشف الحقيقة، أم أن تصنع واقعًا بديلًا أكثر قابلية للضجة والانتشار؟
إرسال تعليق