الأستاذ الدكتور ابراهيم مصطفي المحروقي يكتب: المشروع الإبراهيمي.. حين تبحث الجغرافيا عن نبي

الأستاذ الدكتور ابراهيم مصطفي المحروقي يكتب: المشروع الإبراهيمي.. حين تبحث الجغرافيا عن نبي

لا تحتاج الإمبراطوريات الدول والأقاليم بالجيوش وحدها، بل تغزوها- أيضًا- بالعقائد والأفكار، فالقوة التي تسيطر على الأرض تحتاج دائمًا إلى قصة تسيطر بها على العقول، وإلى فكرة تجعل ما تفرضه السياسة والقوة يبدو وكأنه قدر تاريخي لا مفر منه.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يحرص نابليون بونابرت عند دخوله مصر على مخاطبة المصريين بلغة الدين قبل أن يخاطبهم بلغة القوة، فأصدر بياناته التي قدم فيها نفسه صديقًا للإسلام وحاميًا للمسلمين، حتى راجت بين بعض الناس شائعات عن اعتناقه الإسلام، ولم يكن ذلك تحولًا عقائديًا بقدر ما كان إدراكًا مبكرًا لحقيقة ثابتة في التاريخ: 

أن السيطرة على الأرض - الجغرافيا - لا تكتمل إلا إذا وجدت طريقا مقنعاً إلى الوعي.

وبعد أكثر من قرن، ومع تجاوز جيوش النازي الحدود المصرية أثناء الحرب العالمية الثانية، كان موسوليني -أحد قادة المحور- يحلم بدخول القاهرة والتجول بالحصان العربي الأبيض في شوارع حى الأزهر الشريف، وسواء صحت الرواية عن إرساله للحصان أم لا، فإن دلالة المشهد تبقى أبلغ من الرواية ؛ فالقادة لا يبحثون عن الانتصار العسكري وحده، بل عن الصورة الرمزية التي تمنح انتصارهم إرثاً تاريخيًا وحضاريًا.

هنا تحديدًا يبرز المشروع الإبراهيمي باعتباره أحد أكثر المشروعات إثارة للجدل في الشرق الأوسط المعاصر؛ ليس لأنه اتفاق سياسي فحسب، بل لأنه محاولة لتقديم محرك جديد لمنطقة أنهكتها الصراعات القديمة وتبحث القوى الدولية والإقليمية عن صيغة مختلفة لإعادة تنظيمه في النظام العالمي الجديد .

من هنا يمكن أن نتجاوز الإبراهيمية كونها اسمًا لاتفاقات سياسية أو مبادرات للحوار بين الأديان، لتصبح سؤالًا أكبر يتعلق بطبيعة الشرق الأوسط الذي يراد له أن يولد من جديد: 

هل نحن أمام مشروع للتعايش بين الهويات القائمة، أم أمام محاولة لإنتاج هوية جديدة تتجاوزها جميعًا؟ وهل استُدعي إبراهيم بوصفه نبيًا جامعًا للأديان ؟ أم بوصفه رمزًا ثقافيًا يمنح الشرعية لمشروع جيوسياسي جديد؟

لمــــاذا إبراهيم؟

لم يكن اختيار إبراهيم صدفة، كما لم يكن اختيار التوقيت – أيضا- صدفة.

فالمشروعات الكبرى لا تبحث عن الرموز في أوقات القوة، بل في أوقات الفراغ أيضاً ، وحين تعجز النظريات القديمة عن بناء الواقع وتنظيمه ، تبدأ عملية البحث عن نظرية جديدة.

فخلال القرن العشرين حكمت المنطقة ثلاث نظريات كبرى. كانت الأولى هي القومية العربية التي وعدت بوحدة الأمة وتجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار، وكانت الثانية هي الأيديولوجيات الكبرى التي بشرت بالعدالة والازدهار والخلاص عبر الاشتراكية أو الليبرالية أو الإسلام السياسي، أما الثالثة فكانت مركزية الصراع العربي الإسرائيلي بوصفه القضية التي أعادت تشكيل السياسة والتحالفات والوعي الجمعي لعقود طويلة.

لم تسقط هذه الأفكار لأنها هُزمت - فقط - بل لأنها عجزت عن تفسير الواقع وقيادته أيضا؛ فالقومية العربية اصطدمت بحقائق الدولة الوطنية وأولوياتها ومصالحها ، فضلا عن مصالح القوى الاستعمارية الكبرى.

 والأيديولوجيات الكبرى استهلكها التناقض بين النظرية والتطبيق، وأرهقتها صراعات السلطة، كما مزقتها الإستقطابات الخارجية التي دفعت كثيرًا من تياراتها إلى السقوط في فخ القوى الدولية والإقليمية المتنافسة، ففقدت قدرتها على تقديم مشروع وطني أو حضاري جامع. 

 أما الصراع العربي الإسرائيلي، الذي ظل لعقود طويلة القضية المركزية التي تحدد أولويات المنطقة وتحالفاتها، فقد تدريجيًا احتكاره للمشهد ، فخلال النصف الثاني من القرن العشرين كان السؤال السياسي الأهم في الشرق الأوسط يدور حول إسرائيل، أما في العقدين الأخيرين، فقد ازدحمت المنطقة بأسئلة أخرى لا تقل خطورة: 

صعود التنظيمات المسلحة العابرة للحدود، وتفكك العديد من الدول الوطنية، والحروب الأهلية الممتدة ، والهلال الشيعي ، والمشروع النووي الإيراني، وأزمات المياه والغذاء، والصراع على الممرات البحرية، وأمن الطاقة، والتحولات التكنولوجية المتسارعة، وصولًا إلى المنافسة الدولية المتصاعدة على النفوذ في المنطقة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.


وعندما تتراجع النظريات التي سادت إقليمًا كاملًا لعقود دون أن تظهر نظرية جديدة تحل محلها، ينشأ ما يمكن تسميته بالفراغ الأيديولوجي، وهو ليس فراغًا في القوة أو الثروة أو السكان، بل فراغًا في المعنى والاتجاه، فالتاريخ لا يعرف الفراغ المطلق، وحين تفقد الجغرافيا مركز جاذبيتها القديم تبدأ في البحث عن مركز جديد، وفي مثل هذه اللحظات لا تظهر الأفكار الجديدة لأنها أقوى من سابقتها، بل لأنها وجدت مكانًا شاغرًا تخلت عنه الأفكار التي أنهكها الزمن.

وهنا بدا اسم إبراهيم للإدارة الأمريكية لا بوصفه نبيًا فحسب، بل بوصفه رمزًا.. رمزًا قادراً على القفز فوق الانقسامات، فإبراهيم يسبق القوميات، ويسبق الطوائف، ويسبق المذاهب، بل يسبق كثيرًا من الصراعات التي جاءت بعده، ولذلك لم يكن استدعاؤه استدعاءً للتاريخ بقدر ما كان محاولة لتوظيف التاريخ في خدمة مستقبل يراد له أن يولد.

جوهر المشروع: من الصراع إلى الشبكة:

إذا جرى تجاوز الشعارات ، فإن جوهر المشروع الإبراهيمي لا يهدف فقط إلى إعادة ترتيب العلاقات بين دول المنطقة، بل إلى إعادة تعريف الأساس الذي يقوم عليه أمن إسرائيل نفسها ، فمنذ نشأتها اعتمدت -إسرائيل- على معادلة واضحة: 

التفوق العسكري يولد الأمن، وقد نجحت هذه المعادلة لعقود طويلة في فرض واقع إقليمي منح الكيان - بدعم أمريكي- قدرة استثنائية على الردع والمبادأة، غير أن التحولات الأخيرة كشفت أن القوة العسكرية مهما بلغت درجة تفوقها لا توفر أمنًا مطلقًا. 

فقد أظهرت أحداث السابع من أكتوبر أن الاختراق لا يزال ممكنًا رغم ما تملكه إسرائيل من تفوق تكنولوجي واستخباراتي ومنظومات مراقبة وإنذار متقدمة، وإذا كانت مجموعات غير نظامية محدودة الموارد والقدرات قد استطاعت أن تكشف مدى اضطراب القوة العسكرية للكيان أمام هجوم هادر ، فإن ذلك يطرح سؤالًا استراتيجيًا أكبر يتعلق بمصيرهم أمام الجيش المصري - على وجه الخصوص - في أي مواجهة مستقبلية باعتباره أهم الحقائق الكبرى في الجغرافيا العسكرية في الشرق الأوسط ، ومن ثم فإن التفكير الاستراتيجي للكيان لا يمكن أن يتجاهل أن معادلات الردع والحماية التي لم تصلح في مواجهة تهديدات من فاعلين غير حكوميين تختلف جذريًا عن الحسابات المرتبطة بقوة عسكرية هادرة و منظمة مثل الجيش المصري .

كما كشفت المواجهات المباشرة وغير المباشرة مع إيران وغيرها أن الدفاعات المتقدمة ليست قادرة دائمًا على توفير حصانة كاملة أمام بيئة إقليمية تتطور فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والحروب السيبرانية بوتيرة متسارعة.

ومن هنا يبرز تحول استراتيجي بالغ الأهمية في الصراع العربي - الإسرائيلي فبدل أن يبقى أمن إسرائيل قائمًا حصريًا على التفوق العسكري يبدو أن المشروع الإبراهيمي يسعى إلى نقل جزء من هذا الأمن إلى مجال آخر: 

مجال الاندماج الإقليمي .. أي أن تصبح إسرائيل جزءًا أو عقدة محورية في شبكة واسعة من الممرات الاقتصادية، وسلاسل الإمداد، ومشروعات الطاقة، والاستثمارات العابرة للحدود، بحيث يصبح استقرارها ضرورة وظيفية للإقليم كله، لا مجرد نتيجة لقدرتها على الردع.

وبهذا المعنى لا تكون الإبراهيمية مجرد مشروع للتطبيع، بل مشروع لإعادة إنتاج أمن إسرائيل بصيغة جديدة، فالأمن هنا لا يتحقق فقط بالقوة، وإنما بالدور الإقليمي، وبالوظيفة الاقتصادية والجيومكانية التي يؤديها الكيان داخل الشبكة الإقليمية.

 إنها محاولة للانتقال من أمن تحرسه التكنولوجيا والطائرات إلى أمن تحرسه المصالح والممرات والترابط الاقتصادي مدعوم برؤية حضارية ممثلة في الديانة الإبراهيمية.

وهنا تتكشف إحدى أهم حقائق المشروع: 

فالمطلوب ليس فقط إدماج إسرائيل في الشرق الأوسط، بل جعل الشرق الأوسط نفسه شريكًا في إنتاج أمن إسرائيل واستقراره، وهنا تكمن نقطة التحول الحقيقية، فالمطلوب ليس فقط قبول وجود إسرائيل، وإنما إعادة تعريف وظيفتها داخل المنطقة من دولة منبوذة إلى دولة محورية، ومن موضوع للصراع إلى عقدة محورية في شبكة الاقتصاد الإقليمي بالمنطقة يجعل أمنها واستقرارها أولوية للإقليم وشعوبه.

وهذا هو جوهر المشروع ودمامته في آن واحد ، فالإبراهيمية ليست هدفًا في ذاتها، بل هي اللغة الحضارية التي ترافق عملية إعادة تنظيم الشرق الأوسط ، أما الهدف الأعمق فهو بناء نظام إقليمي جديد ينتقل فيه الكيان من منطقة صراع إلى عقدة داخل شبكات الطرق و المصالح وسلاسل الإمداد.

المشروع الإبراهيمي والبحث عن جمهور: 

لا يبدو المشروع الإبراهيمي باحثاً عن إجماع بقدر ما يبدو أنه يبحث عن جمهور مستعد لنقل الفكرة والإيمان بها ، فالمشروعات الحضارية نادرًا ما تبدأ بالأغلبية، بل تبدأ بالعثور أولاً على الفئة الاجتماعية القادرة على حملها إلى المستقبل، ومن هذه الزاوية لا يتوجه المشروع إلى الشرق الأوسط الذي تشكل وعيه في القرن العشرين بقدر ما يتوجه إلى شرق أوسط آخر يتشكل بنيانه الديموغرافي بصمت في العقود الأخيرة.

إنه يتوجه إلى الأجيال التي لم تعش الحروب العربية الإسرائيلية الكبرى، ولم تتشكل ذاكرتها السياسية حول شعارات القومية أو الأيديولوجيا، بل نشأت في عالم تحكمه الشبكات الرقمية والاقتصاد العالمي وثقافة العولمة أكثر مما تحكمه الحدود التقليدية.. جمهور يتعامل مع التكنولوجيا أكثر مما يتعامل مع التاريخ، ويقيس الأشياء بمنطق الفرصة أكثر مما يقيسها بمنطق القيم والأخلاق، جمهور تشكلت بداخله عداءات تجاه الدين ومقاصده وتراثه ، وربما أيضا يقع الدين من نفوسهم في الاتجاه المضاد لرغباتهم الجامحة .

وهنا تتكشف إحدى أكثر زوايا المشروع خطورة ؛ فهو لا يحاول فقط إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل يسعى أيضًا إلى التعرف على الجمهور الذي قد يحمل هذه الجغرافيا الجديدة، أو المساهمة في تشكيلهم إذا لم يكن قد اكتمل بعد!

المشروع الإبراهيمي وصدام التاريخ ؟

لا تكمن خطورة المشروع الإبراهيمي في أنه حاول - فقط - قراءة المستقبل، لكن في الطريقة التي قرأ بها التاريخ والتي أغفل بها أهم ثلاث حقائق في المنطقة .


  فالحقيقة الأولى إن الشرق الأوسط العربي أحد أكثر أقاليم العالم تشبعًا بالعقيدة والوطنية والرموز والذاكرة الجمعية ، فالمشروع تعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها عقبة يمكن تجاوزها أو احتواء آثارها داخل إطار إقليمي أوسع، بينما لا تزال القضية بالنسبة لقطاعات واسعة من شعوب المنطقة جزءًا من تصورها الراسخ للوطنية و العدالة و الشرعية. 

والحقيقة الثانية: أن المشروع افترض أن المصالح يمكن أن تحل محل الهوية، بينما يكشف التاريخ أن الإنسان لا يتحرك بالمصلحة وحدها، فالهويات القومية والثقافية ليست مجرد بقايا من الماضي يمكن طمرها أو إزاحتها بسهولة ، بل قوى حية تستيقظ كلما تعرضت للضغط أو شعرت بالتهديد، وقد أثبتت تجارب كثيرة أن ما يبدو مستقرًا على سطح السياسة قد ينهار فجأة عندما تصطدم المصالح بأسئلة الانتماء والكرامة والعدالة.

أما الحقيقة الثالثة: فهي أن المشروع نظر إلى الشرق الأوسط باعتباره رقعة جغرافية يمكن إعادة تنظيمها باستدعاء النبي إبراهيم عليه السلام ، وكأن ما عجزت عنه السياسة يمكن أن تنجزه الرموز ، بينما يكشف التاريخ السياسي للشرق الأوسط بأنه مليء باتفاقات وتحالفات بدت قوية في لحظة توقيعها، لكنها واجهت لاحقًا تحديات مرتبطة بالثقافة والهوية والرأي العام والذاكرة التاريخية والمواقف الوطنية الحاسمة .

فالمشروع الإبراهيمي يسعى إلى بناء شرق أوسط جديد يتجاوز صراعات الماضي، لكنه في الوقت نفسه يواجه ماضيًا لم يغادر الحاضر بعد ، وهنا تحديدًا يقف المشروع أمام اختباره الأصعب: ليس اختبار السياسة، ولا اختبار الاقتصاد، بل اختبار التاريخ نفسه.

اكتب تعليق