حين يكتمل القرن... هل يبدأ تاريخ جديد؟! بقلم: فاطمة زيدان

حين يكتمل القرن... هل يبدأ تاريخ جديد؟! بقلم: فاطمة زيدان

 




حين يكتمل القرن... هل يبدأ تاريخ جديد؟!

بقلم: فاطمة زيدان

محاضر بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا

والباحثة في التاريخ والتراث


هل تصنع الأمم تاريخها في ميادين الحروب وحدها، أم أن بدايات التحول قد تولد من إشارات لا يتوقعها أحد؟ وهل نحسن قراءة إشارات عصرنا، أم أننا لا ندرك قيمتها إلا بعدما تصبح جزءًا من التاريخ؟

يخبرنا التاريخ أن الأمم لا تتحرك في خط مستقيم، وأن لحظات التحول الكبرى تأتي غالبًا بعد سنوات طويلة من الصمت، وكأن الزمن يحتاج إلى أن يكتمل قبل أن يبدأ في فتح  صفحة جديدة. وربما لهذا آمن المؤرخون بأن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو حركة مستمرة تتبدل فيها موازين القوى، وتُعاد فيها كتابة النهايات والبدايات.

وفي هذا السياق، رأى ابن خلدون أن الدول تمر بدورات تبدأ بالنشأة، ثم القوة، ثم التراجع قبل أن تفسح المجال لمرحلة جديدة ولم يكن يقصد أن الزمن وحده يصنع التحولات، وإنما أن كل تحولٍ تاريخي هو ثمرة تراكم طويل، لا يدرك الناس أثره إلا حين يصبح جزءًا من التاريخ واليوم، ونحن نتابع بداية مختلفة للمنتخب المصري في كأس العالم، يفرض التاريخ سؤالًا يبدو أكبر من مباراة، وأعمق من بطولة: هل نحن أمام بداية صفحة جديدة؟

بعد عقود طويلة ظل فيها التأهل إلى الأدوار الإقصائية حلمًا بعيدًا، نجحت مصر في كسر حاجز ظل قائمًا لما يقارب قرنًا. وقد تبدو هذه مجرد مباراة في نظر البعض، لكنها من وجهة نظر أعمق ليست سوى إشارة تستحق التأمل؛ فالتاريخ كثيرًا ما يبدأ بخطوة صغيرة، لا يدرك الناس معناها إلا بعد مرور الزمن.

ولعل اقتراب قرن كامل من الانتظار هو ما يدفعنا إلى تجاوز حدود الرياضة، والتفكير بمنطق التاريخ. فالأرقام، في نظر المؤرخ، ليست مجرد وحدات لقياس الزمن، بل علامات تدعونا إلى إعادة قراءة المسار. صحيح أن التاريخ لا يعرف قوانين جامدة، لكن طول المدة يجعل السؤال مشروعًا: ماذا يعني أن تنتظر أمة ما يقارب قرنًا لتكسر حاجزًا ظل عصيًا عليها؟ وهل يكون الزمن هنا مجرد شاهد على الحدث، أم شريكًا في صنع دلالته؟

ثمة أمم تصنع الأحداث، وثمة أمم تغير مسار التاريخ. وكانت مصر، عبر قرون طويلة لا مجرد دولة على خريطة العالم، بل حضارة كانت، في كثير من محطات التاريخ، كلما دخلت مرحلة جديدة، انعكس صدى تحولها على محيطها، ثم تجاوز حدود الإقليم وكانت منها نقطة انطلاق لتحولات تجاوز أثرها حدودها الجغرافية. فمن أرضها خرجت تجارب في بناء الدولة والإدارة، وعلى أرضها تشكلت موازين إقليمية، ومنها انطلقت لحظات أعادت رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، وكان لصداها أثر في العالم. ولذلك، فإن كل نهضة مصرية لا تُقرأ بوصفها شأنًا محليًا فحسب، بل بوصفها حدثًا يستحق التأمل؛ لأن تاريخ هذه الأمة يخبرنا أن قوة مصر كانت، في أزمنة كثيرة، عاملًا من عوامل الاستقرار والتغيير في محيطها، وأن عودتها إلى موقع الفاعل لم تكن يومًا مسألة تخص المصريين وحدهم لذلك لا يُنظر إلى نهضة مصر بوصفها شأنًا مصريًا خالصًا، بل باعتبارها متغيرًا يلفت انتباه المنطقة، وأحيانًا العالم. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت الأمم العريقة تترك أثرها كلما استعادت عافيتها، فهل نعيش اليوم إرهاصات مرحلة مصرية جديدة؟

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الحدث في ذاته، والدلالة التي قد يحملها في سياق التاريخ. لكن المقصود هنا ليس أن مباراة كرة قدم قادرة على تغيير مصير أمة؛ فالأمم لا تُبنى في تسعين دقيقة، ولا تُقاس مكانتها بانتصار واحد، وإنما لأن التاريخ كثيرًا ما يكشف عن نفسه من خلال إشارات تبدو عابرة في لحظة وقوعها، ثم يكتشف اللاحقون أنها كانت بداية مسار مختلف.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل يحمل هذا الإنجاز دلالة تتجاوز حدود الرياضة؟ وهل يمكن أن يكون تعبيرًا عن روح جديدة، تستعيد بها مصر حضورها العلمي والثقافي والاقتصادي والرياضي، فتعود إلى موقعها أمةً فاعلةً ومؤثرة؟

وهكذا، يبقى التاريخ دعوةً دائمة إلى التأمل لا إلى التنبؤ؛ فالبدايات الكبرى لا تعلن عن نفسها، وإنما تترك إشاراتٍ صغيرة لا يدرك معناها إلا من يحسن قراءة حركة الزمن.

وأخيرًا..لعل السؤال الذي بدأنا به يبقى قائمًا: هل أحسنا قراءة الإشارة، أم أننا لن نفهم معناها إلا بعد سنوات، حين يكتبها المؤرخون في صفحات التاريخ؟ فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهض بالمصادفة، ولا تصنع مكانتها بانتصار منفرد، وإنما بإرادة ومحاولات  تتكرر، وعمل يتراكم، ورؤيةٍ تمتد إلى ما هو أبعد من نشوة اللحظة. فإذا تحولت هذه الروح إلى ثقافة، وهذا الإنجاز إلى منهج، فلن يكون ما حدث مجرد انتصار رياضي، بل سيكون إحدى العلامات التي سيقف عندها المؤرخون يومًا وهم يكتبون:

"من هنا... بدأ فصل جديد"..

 

اكتب تعليق