حين يتحول العلاج إلى إعاقة: دراسة بحثية في الأخطاء الطبية المسببة للعاهات المستديمة

حين يتحول العلاج إلى إعاقة: دراسة بحثية في الأخطاء الطبية المسببة للعاهات المستديمة

  



حين يتحول العلاج إلى إعاقة: دراسة بحثية في الأخطاء الطبية المسببة للعاهات المستديمة

بقلم / آية محمود رزق

تُعد مهنة الطب من أسمى المهن الإنسانية، إذ تقوم على حماية حياة الإنسان وصون صحته والتخفيف من آلامه، وهي رسالة أخلاقية قبل أن تكون وظيفة أو وسيلة للكسب. وقد أقسم الأطباء منذ القدم على أداء رسالتهم بأمانة وإخلاص، ملتزمين بمبادئ الرحمة واحترام حياة الإنسان. إلا أن التطور الهائل الذي شهده القطاع الصحي، وتعقيد الإجراءات الطبية والجراحية، وزيادة أعداد المرضى، وتداخل التخصصات، كلها عوامل جعلت احتمالية وقوع الأخطاء الطبية أمرًا واردًا، وإن كان غير مقبول عند ثبوت الإهمال أو التقصير أو مخالفة الأصول العلمية المتعارف عليها.

ولا يعني وقوع الخطأ الطبي بالضرورة أن الطبيب يفتقر إلى الكفاءة، فهناك مضاعفات معروفة قد تحدث رغم الالتزام بالمعايير الطبية. غير أن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يكون الضرر نتيجة إهمال واضح، أو تشخيص خاطئ، أو قرار علاجي غير مدروس، أو مخالفة للإجراءات المهنية، فتتحول رحلة العلاج إلى مأساة تنتهي بعاهة مستديمة أو فقدان عضو أو إعاقة دائمة، وهو ما يغير حياة المريض وأسرته بصورة قد لا يمكن إصلاحها.

إن العاهة المستديمة لا تمثل مجرد إصابة جسدية، بل هي تحول جذري في حياة الإنسان. فقد يفقد المريض القدرة على الحركة أو العمل أو الاعتماد على نفسه، ويعيش سنوات طويلة وهو يعاني من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية قد تكون أشد قسوة من الإصابة نفسها. لذلك أصبحت مسألة الأخطاء الطبية من القضايا التي تحظى باهتمام الأنظمة القانونية والهيئات الصحية ومنظمات حقوق الإنسان، بهدف تحقيق التوازن بين حماية المرضى وعدم تحميل الطبيب مسؤولية نتائج لا يد له فيها.

ويُقصد بالخطأ الطبي كل فعل أو امتناع عن فعل يصدر من الطبيب أو أحد أعضاء الفريق الطبي بالمخالفة لما استقرت عليه الأصول العلمية والمهنية، ويترتب عليه ضرر يمكن تجنبه لو تم اتباع قواعد المهنة. ويشترط لقيام المسؤولية الطبية توافر ثلاثة عناصر أساسية، هي وجود خطأ، وحدوث ضرر، وثبوت علاقة سببية مباشرة بين الخطأ والضرر. فإذا انتفى أحد هذه العناصر فلا تقوم المسؤولية القانونية، لأن القانون لا يعاقب على مجرد وقوع نتيجة غير مرغوبة، وإنما على الإهمال أو التقصير الذي أدى إليها.

وتتنوع الأخطاء الطبية التي قد تُفضي إلى عاهات مستديمة، ومن أخطرها الخطأ في التشخيص، إذ قد يؤدي تشخيص المرض بصورة غير صحيحة إلى تأخير العلاج المناسب أو إعطاء علاج غير ملائم، مما يسمح بتفاقم الحالة المرضية ووصولها إلى مرحلة يصعب علاجها. كما يُعد التأخر في تشخيص السكتات الدماغية أو الجلطات القلبية أو الأورام من الأخطاء التي قد تترك آثارًا لا يمكن علاجها، لأن عامل الوقت في هذه الحالات يمثل الفارق بين الشفاء والإعاقة الدائمة.

ومن الأخطاء الجسيمة كذلك الأخطاء الجراحية، كإجراء عملية في موضع غير صحيح، أو إصابة عصب أو شريان نتيجة عدم الالتزام بالقواعد الجراحية، أو ترك أدوات جراحية داخل جسم المريض، أو عدم السيطرة على النزيف، أو إهمال التعقيم، مما يؤدي إلى التهابات خطيرة قد تنتهي بفقدان أحد الأطراف أو تلف أحد الأعضاء. ورغم أن هذه الأخطاء ليست شائعة مقارنة بإجمالي العمليات، فإن آثارها قد تكون مدمرة عندما تقع.

كما تمثل الأخطاء الدوائية سببًا مهمًا للعاهات المستديمة، سواء بسبب وصف دواء غير مناسب، أو إعطاء جرعة خاطئة، أو تجاهل وجود حساسية معروفة لدى المريض، أو صرف دواء يتعارض مع أدوية أخرى يتناولها. وقد تؤدي هذه الأخطاء إلى فشل كلوي أو كبدي، أو تلف في الجهاز العصبي، أو مضاعفات قد تستمر مدى الحياة.

ولا تقل أخطاء التخدير خطورة عن غيرها، فعدم تقييم الحالة الصحية للمريض قبل التخدير، أو إعطاء جرعة غير مناسبة، أو ضعف المراقبة أثناء الجراحة، قد يؤدي إلى نقص وصول الأكسجين إلى الدماغ، وهو ما قد يسبب تلفًا دائمًا في الخلايا العصبية أو شللًا أو فقدانًا لبعض الوظائف الحيوية.

وفي مجال النساء والتوليد، قد يؤدي التأخر في اتخاذ قرار الولادة القيصرية عند الضرورة، أو سوء متابعة نبض الجنين، أو التأخر في التعامل مع المضاعفات، إلى إصابات دماغية دائمة لدى المولود نتيجة نقص الأكسجين، أو إصابات جسدية للأم قد تؤثر في حياتها المستقبلية. ولذلك تُعد هذه الحالات من أكثر القضايا التي تستوجب تحقيقًا دقيقًا للتمييز بين المضاعفات الطبية الطبيعية وبين الإهمال الذي يمكن تجنبه.

ولا تقتصر آثار الخطأ الطبي على الجانب الجسدي، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، إذ يعاني كثير من المرضى من الاكتئاب والقلق وفقدان الثقة بالنفس نتيجة العجز الدائم، كما قد تتأثر علاقاتهم الأسرية والاجتماعية، ويضطر بعضهم إلى ترك العمل أو تغيير نمط حياته بالكامل، مما يضيف أعباء مالية ونفسية مستمرة.

ومن أجل الحد من هذه الأخطاء، ينبغي أن تعتمد المؤسسات الصحية على نظم صارمة للجودة وسلامة المرضى، وأن تلتزم بالتدريب المستمر للأطباء والتمريض، وتطبيق بروتوكولات واضحة للتشخيص والعلاج والجراحة، والتحقق من هوية المريض والإجراء الطبي قبل أي تدخل، وتشجيع الإبلاغ عن الأخطاء بهدف التعلم منها ومنع تكرارها، مع توفير بيئة عمل تقلل من الإرهاق والضغوط التي قد تؤثر في جودة الأداء الطبي.

وفي حال تعرض المريض لخطأ طبي أدى إلى عاهة مستديمة، فإن من الإجراءات المهمة الاحتفاظ بجميع التقارير الطبية والأشعة والتحاليل والوصفات العلاجية، وطلب نسخة من الملف الطبي، ثم عرض الحالة على لجنة أو جهة مختصة لتقييم مدى وجود خطأ مهني وعلاقته بالضرر. وإذا ثبت الخطأ، فقد يترتب على ذلك تعويض مدني عن الأضرار المادية والأدبية، إضافة إلى مساءلة تأديبية أو جنائية في الحالات التي يثبت فيها الإهمال الجسيم أو مخالفة القوانين واللوائح المنظمة لممارسة المهنة، وذلك وفقًا للتشريعات السارية في الدولة المختصة.

وفي الختام، فإن الطب سيظل رسالة إنسانية عظيمة، ولا ينبغي أن تؤدي الأخطاء الفردية إلى فقدان الثقة في المنظومة الصحية بأكملها. وفي المقابل، فإن حماية المريض حق أصيل لا يجوز التفريط فيه، وتقتضي هذه الحماية تطبيق أعلى معايير الجودة والسلامة، والالتزام بالمحاسبة العادلة عند ثبوت الخطأ، مع دعم الأطباء بالتدريب والإمكانات التي تمكنهم من أداء رسالتهم على الوجه الأمثل. إن بناء منظومة صحية آمنة لا يتحقق بالعقاب وحده، وإنما بالوقاية، والتعليم المستمر، والشفافية، واحترام حق المريض في الرعاية الطبية السليمة، بما يضمن أن يبقى العلاج وسيلة للشفاء لا سببًا للإعاقة أو المعاناة الدائمة.

اكتب تعليق