من رؤية الرئيس السيسي إلي الهوية الوطنية … حين يصبح التاريخ أساسًا لصناعة المستقبل

من رؤية الرئيس السيسي إلي الهوية الوطنية … حين يصبح التاريخ أساسًا لصناعة المستقبل

بقلم/ أسماء مهنا الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، يضع تاريخ مصر وحضارتها في مساحة أساسية من رؤية بناء الإنسان والوعي بالوطن، في طرح يتجاوز الاحتفاء بالماضي إلى التأكيد على أهمية استحضار التاريخ لفهم الحاضر وبناء المستقبل. فالحضارة المصرية، بما تمثله من تراكم تاريخي ومعرفي ممتد، ليست مجرد صفحات محفوظة في كتب التاريخ، وإنما رصيد حضاري يساعد الأجيال على فهم جذورها، وقراءة حاضرها، وصياغة رؤيتها للمستقبل. وتتجلى هذه الرؤية في عدد من المواقف الرسمية، من بينها كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر 2025، حين أشار إلى مكانة الحضارة المصرية وإسهامها في مسيرة الحضارة الإنسانية، مؤكدًا أن افتتاح المتحف يمثل «فصلًا جديدًا» من تاريخ الحاضر والمستقبل. كما وصف المتحف بأنه «شهادة حية» على إبداع الإنسان المصري، بما يربط تقديم التاريخ للأجيال بفهم مسيرة المجتمع واستمرار دوره في الحاضر والمستقبل. وفي هذا السياق، تستضيف مكتبة الإسكندرية، خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026، مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، في لقاء يجمع نحو 450 شابًا وشابة مع عدد من الوزراء والخبراء والمثقفين والباحثين والفنانين، لبحث قضايا الهوية الوطنية وبناء الوعي، ومناقشة التحولات والتحديات التي تفرضها البيئة المعاصرة، وصولًا إلى صياغة رؤى ومخرجات تستجيب لاحتياجات الحاضر وتطلعات المستقبل. ويأتي الاتحاد المصري للكيانات الشبابية والمركز الإعلامي للاتحاد ضمن المشاركين في هذا الحوار، بما يربط الحضور الشبابي بالنقاش الدائر حول الهوية الوطنية، إلى جانب الدور الإعلامي في نقل الأفكار والمناقشات والمخرجات إلى الجمهور. المتحف المصري الكبير.. حين تتحدث مصر بلغتها الحضارية لم يكن افتتاح المتحف المصري الكبير مجرد مناسبة ثقافية أو أثرية، بل حمل في الخطاب الرسمي دلالة تتجاوز عرض المقتنيات إلى إعادة تقديم الحضارة المصرية في سياق معاصر يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. ففي كلمته خلال الافتتاح، أشار الرئيس السيسي إلى أن المتحف يمثل فصلًا جديدًا من تاريخ الحاضر والمستقبل في قصة مصر، كما وصفه بأنه شهادة حية على إبداع الإنسان المصري. وفي سياق التحضير للافتتاح، أشارت الرئاسة إلى أن الحدث يعكس رؤية تجمع بين «عراقة الماضي وإبداع الحاضر وازدهار المستقبل». وهنا تبرز فكرة أساسية: استحضار التاريخ لا يعني العودة إلى الماضي، وإنما استخدام المعرفة التاريخية لفهم الحاضر وبناء المستقبل. فالتاريخ يصبح أكثر تأثيرًا عندما يتحول من مادة للمعرفة إلى عنصر في تشكيل الوعي؛ ومن ذاكرة للماضي إلى مصدر لفهم التحولات التي مر بها المجتمع، وما يمكن أن يقدمه أبناؤه في المستقبل. من المتحف إلى مكتبة الإسكندرية.. من الحضارة إلى الهوية إذا كان المتحف المصري الكبير يقدم الحضارة المصرية من خلال آثارها ومكوناتها المادية، فإن مؤتمر «الهوية الوطنية» ينقل النقاش إلى مستوى آخر: كيف نفهم ما ورثناه؟ وكيف يتحول هذا الإرث إلى وعي قادر على التعامل مع الحاضر وصناعة المستقبل؟ وهنا يصبح الحديث عن الهوية أكثر اتساعًا من مجرد استدعاء الرموز التاريخية؛ فهو يرتبط باللغة والثقافة والذاكرة والقيم والمعرفة، وبقدرة المجتمع على الحفاظ على عناصر استمراره، مع تطوير أدواته للتعامل مع التحولات الجديدة. ومن ثم، فإن العلاقة بين التاريخ والهوية ليست علاقة ساكنة؛ فالتاريخ يقدم المعرفة بالجذور، بينما يحدد الحاضر كيفية فهم هذه المعرفة وتوظيفها، ويظل المستقبل المجال الذي تظهر فيه قدرة الأجيال الجديدة على البناء والإضافة. لماذا مكتبة الإسكندرية؟ يضيف اختيار مكتبة الإسكندرية لاستضافة المؤتمر بعدًا معرفيًا وثقافيًا واضحًا؛ فالمكان ارتبط تاريخيًا بالمعرفة والتفاعل بين الثقافات، بينما تمثل المكتبة الحديثة مساحة تجمع البحث والعلم والثقافة والحوار. ومن هنا، يصبح المكان جزءًا من الرسالة: ذاكرة المعرفة تستضيف حوارًا حول ذاكرة الوطن ومستقبل هويته. فالسؤال لم يعد فقط: كيف نحافظ على جذورنا؟ وإنما أيضًا: كيف نفهم هذه الجذور في سياق عالم سريع التغير؟ وكيف نقدمها للأجيال الجديدة باعتبارها معرفة حية يمكن البناء عليها، وليس مجرد ماضٍ منفصل عن واقعهم؟ مؤتمر الهوية.. عندما يتحول التاريخ إلى سؤال معاصر يناقش المؤتمر قضايا الهوية الوطنية في ظل تحولات تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل الوعي، ومن بينها التطورات المتسارعة في وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وما تتيحه من تدفق واسع للمعلومات والأفكار والتأثيرات الثقافية. وفي هذا السياق، تصبح قضية الهوية مرتبطة بقدرة الشباب على التمييز بين المعرفة والمعلومة، وبين التأثير والوعي، وبين الانفتاح على العالم والحفاظ على الخصوصية الثقافية. فالهوية في العصر الرقمي لا تُبنى فقط من خلال ما نعرفه عن الماضي، وإنما أيضًا من خلال الطريقة التي نقرأ بها هذا الماضي، ونقدمه، ونربطه بأسئلة الحاضر وتحديات المستقبل. الشباب.. الحلقة التي تصل الماضي بالمستقبل الشباب هم الطرف الأكثر ارتباطًا بهذه المعادلة؛ فهم يعيشون تحولات الحاضر، ويتعاملون مع أدوات الاتصال الجديدة، وفي الوقت نفسه يمثلون الجيل الذي ستنتقل إليه مسؤولية الحفاظ على عناصر الهوية وتطويرها. ولهذا، فإن مشاركة نحو 450 شابًا وشابة في المؤتمر، إلى جانب الوزراء والخبراء والمثقفين والباحثين والفنانين، تفتح مساحة للحوار بين الخبرة والمعرفة من جهة، ورؤية الأجيال الجديدة واحتياجاتها من جهة أخرى. وتتجاوز أهمية هذا الحضور مجرد المشاركة في الفعاليات، إذ يضع الشباب في قلب النقاش حول القضايا التي تمس وعيهم ومستقبلهم، ويمنحهم مساحة للتفاعل مع رؤى وخبرات متنوعة حول الهوية الوطنية وتحولاتها. التاريخ.. من الذاكرة إلى الوعي التاريخ لا يؤدي دوره في بناء الهوية بمجرد تذكر الأحداث، وإنما عندما يتحول إلى معرفة تساعد الإنسان على فهم المجتمع وتطوراته وموقعه داخله. ومن هنا، فإن استحضار التاريخ يصبح أداة لفهم الحاضر؛ فمعرفة مسار المجتمع تساعد على قراءة تحولاته، وفهم مكوناته، وإدراك أسباب بعض ملامحه الراهنة، كما تتيح للأجيال الجديدة أن تتعامل مع المستقبل وهي أكثر وعيًا بالسياق الذي جاءت منه. وبذلك، لا يصبح الحفاظ على الهوية مرادفًا للجمود، كما لا تعني الرؤية المتجددة التخلي عن الجذور؛ وإنما تقوم المعادلة على معرفة ما ورثناه، وفهم قيمته، وتطوير ما يحتاج إلى تطوير، وإضافة ما تستطيع الأجيال الجديدة أن تقدمه. من «ماذا ورثنا؟» إلى «ماذا سنصنع؟» هنا ينتقل السؤال من الماضي إلى المستقبل: إذا كانت الجذور قد أسهمت في تشكيل ما نحن عليه اليوم.. فماذا سنصنع نحن بما ورثناه؟ الإجابة لا تتعلق فقط بالحفاظ على التراث، وإنما بما يمكن أن تضيفه الأجيال الجديدة من علم وابتكار وإبداع ومعرفة ومسؤولية. فالهوية ليست فقط ما نحتفظ به من الماضي، وإنما أيضًا ما ننتجه في الحاضر وما نتركه للأجيال القادمة. وهنا يصبح التاريخ بداية للسؤال، وليس نهايته. «جذور راسخة ورؤية متجددة».. عنوان يحمل المعنى يحمل عنوان المؤتمر في ذاته العلاقة بين عنصرين أساسيين: الجذور والاستمرارية من ناحية، والتجدد والتطور من ناحية أخرى. فالجذور تمنح الهوية إطارها التاريخي والثقافي، بينما تفرض التحولات المتسارعة ضرورة تطوير الرؤية والأدوات التي تتعامل بها الأجيال مع عالمها. وبين «ما كان» و«ما هو كائن» و«ما سيكون»، تتشكل عملية مستمرة لإعادة فهم الهوية، بحيث لا تصبح أسيرة الماضي، ولا منفصلة عنه. إنها محاولة للانتقال من معرفة التاريخ إلى فهم دلالاته، ومن فهم الحاضر إلى التفكير في المستقبل. من الحوار إلى صناعة المحتوى والوعي ولا تنتهي أهمية المؤتمر بانتهاء جلساته ونقاشاته؛ فالقضايا التي يطرحها تكتسب امتدادًا أكبر عندما تنتقل من مساحة الحوار المتخصص إلى المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، ويعيد تقديم الأفكار بلغة قريبة من اهتماماته وتساؤلاته. وهنا تبرز أهمية المعالجة الإعلامية للمؤتمر، ليس باعتبارها توثيقًا للفعاليات فحسب، وإنما باعتبارها عملية لإعادة صياغة المعرفة وتقديمها في صور متعددة تتيح للشباب والجمهور التفاعل معها، وربط قضايا الهوية بأسئلة الحياة اليومية والتحولات التي يشهدها المجتمع. فالمؤتمر لا يقدم إجابات نهائية حول الهوية بقدر ما يفتح مساحة للتفكير والحوار؛ وتأتي التغطية الإعلامية لتوسع هذه المساحة، وتحول ما يدور داخل الجلسات من أفكار ونقاشات إلى محتوى قادر على الوصول إلى قطاعات أوسع، وفتح نقاش ممتد حول معنى الهوية الوطنية ودورها في تشكيل وعي الأجيال الجديدة. من الحوار إلى «وثيقة الإسكندرية» لا يتوقف المؤتمر عند النقاش النظري حول الهوية، وإنما يستهدف الوصول إلى مخرجات عملية، من بينها «وثيقة الإسكندرية»، بما يعكس الانتقال من طرح الأسئلة إلى صياغة رؤى وأفكار يمكن البناء عليها. وهنا تكتسب الوثيقة أهمية خاصة باعتبارها امتدادًا للحوار الذي يجمع الشباب والخبراء والمتخصصين حول سؤال واحد متعدد الأبعاد: كيف نبني وعيًا وطنيًا يعرف جذوره، ويفهم حاضره، ويستعد لمستقبله؟ من الجذور.. إلى المستقبل في النهاية، يجتمع خيط واحد بين المتحف المصري الكبير، ومكتبة الإسكندرية، ومؤتمر «الهوية الوطنية»: استحضار التاريخ لفهم الحاضر وبناء المستقبل. فالمتحف يقدم الحضارة المصرية باعتبارها تجربة تاريخية ممتدة يمكن للأجيال أن تتعرف إليها وتعيد قراءتها، بينما يفتح مؤتمر الهوية مساحة للتفكير في معنى هذه الجذور ودورها في تشكيل الوعي الوطني. وبينهما يقف الشباب بوصفهم الجيل الذي يتلقى هذا الإرث، ويعيد تفسيره، ثم يضيف إليه من خلال ما يصنعه في الحاضر وما يقدمه للمستقبل. ومن هنا، لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا كان لدينا؟ بل يصبح: ماذا ورثنا؟ ماذا فهمنا؟ وماذا سنصنع؟ إنها رحلة تبدأ من الجذور، لكنها لا تتوقف عندها؛ لأن قيمة التاريخ لا تكمن فقط في أنه يحكي لنا ما حدث، وإنما في قدرته على مساعدتنا في فهم ما نحن عليه، وتحديد ما نريد أن نصنعه في المستقبل.

اكتب تعليق