رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التحليل الأصولي والفقهي لسرادقات العزاء وأجور القراء المبالغ فيها
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
التحليل الأصولي والفقهي لسرادقات العزاء وأجور القراء المبالغ فيها
————
مقدمة:
#من القواعد الأصولية الكبرى التي تضبط النوازل المعاصرة قاعدة: (التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَصْلِ الشَّيْءِ وَوَصْفِهِ الطَّارِئِ).
#فكثير من الأفعال تكون في أصلها (مباحة) أو (مندوبة)، ولكن يطرأ عليها من الإسراف، أو المباهاة، أو تضييع الحقوق ما ينقل حكمها إلى (الكراهة) أو (التحريم).
#وتطبيقاً على مسألة (سرادقات العزاء) و(أجور القراء الباهظة)، نضع هذا التحليل الأصولي المفحم لبيان الحق فيها:
————
أولاً: التكييف الأصولي لسرادقات العزاء (بين الوسيلة والمقصد)
١. أصل المشروعية: العزاء في أصله (سُنة) ومقصد شرعي؛ لجبر خاطر أهل الميت وتخفيف مصابهم.
٢. حكم الوسيلة: القاعدة الأصولية تنص على أن: (لِلْوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ). فإذا كانت بيوت أهل الميت ضيقة لا تتسع للمعزين، فإن إقامة مكان مخصص (سرادق) لاستقبالهم يُعد (وسيلة مباحة) لتحقيق (مقصد مشروع)، ولا يُسمى ذلك بدعة في ذاته؛ لأنه من باب (المصالح المرسلة) والعرف الجاري.
٣. مناط التحريم (علة المنع): يتحول هذا المباح إلى (حرام) إذا دخله أحد محذورين:
———-
الأول (الإسراف والمباهاة): كأن يُبالغ في تزيين السرادق وإضاءته بمبالغ طائلة لا حاجة لها، طلباً للفخر والسمعة.
#والقاعدة: (كُلُّ مُبَاحٍ أَدَّى إِلَى سَرَفٍ أَوْ مَخِيلَةٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ).
——-
الثاني (الإنفاق من التركة): إذا أُقيم السرادق من مال الميت (التركة)، وكان في الورثة قُصَّر (أيتام) أو من لم يرضَ بذلك، فهذا من كبائر الذنوب؛ لأنه أكل لأموال اليتامى والورثة بالباطل.
#يقول الإمام ابن عابدين: “وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ مِنْ طَعَامٍ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ… وَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ أَوْ غَائِبٌ حَرُمَ ذَلِكَ”. (ابن عابدين. رد المحتار على الدر المختار. ج2. ص240).
———-
ثانياً: التكييف الأصولي لأجور القراء المبالغ فيها
#هذه المسألة أشد خطراً، وتُوزن بالقواعد الآتية:
١. الاستئجار على التلاوة المجردة (بين المانعين والمجيزين):
#هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على رأيين:
الرأي الأول (المنع): وهو مذهب المتقدمين وجمهور الفقهاء. فقد نص المحققون من الفقهاء على منع الاستئجار لقراءة القرآن إذا كانت مجردة عن التعليم؛ لأن تلاوة القرآن عبادة محضة، والعبادة لا يصح إيقاعها لأجل العوض الدنيوي. يقول الإمام النووي: “وَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ لِلْقِرَاءَةِ فَمَنَعَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ… لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا يَقَعُ نَفْعُهَا إلَّا لِلْقَارِئِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى عَمَلٍ لَا يَقَعُ نَفْعُهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ”. (النووي. المجموع شرح المهذب. ج15. ص138).
———-
الرأي الثاني (الجواز): وهو قول بعض المتأخرين (كبعض المالكية والشافعية)، حيث ذهبوا إلى جواز الاستئجار على مجرد التلاوة، مستدلين بعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (أخرجه البخاري)، واعتبروا أن سماع القرآن فيه منفعة مقصودة للمستمع، فجاز الاستئجار عليها قياساً على التعليم.
————
٢. قاعدة (سد الذرائع) في الأجور الباهظة: حتى على قول من أجاز الاستئجار للقراءة من المتأخرين، فإن دفع (عشرات الألوف) لقارئ بعينه يخرج بالمسألة من دائرة (الأجرة على العمل) إلى دائرة (السرف والمباهاة).
———-
٣.فساد القصد (الرياء): القاعدة الأصولية: (الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا). #والواقع يشهد أن دفع هذه المبالغ الطائلة لا يكون غالباً طلباً لثواب الاستماع، بل للمفاخرة الاجتماعية (أحضرنا القارئ الفلاني).
#وما كان مقصده الرياء والمفاخرة فهو باطل شرعاً، ولا يصل للميت منه ثواب؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه.
———-
ثالثاً: بدائل شرعية يستفيد منها المتوفى
#بدلاً من إنفاق الأموال الطائلة في المظاهر التي لا تنفع الميت، أرشدت الشريعة الإسلامية إلى أبواب من الخير يصل ثوابها يقيناً إلى المتوفى، ومنها:
١. الصدقة الجارية: كالمساهمة في بناء المساجد، أو المستشفيات، أو حفر الآبار، أو كفالة الأيتام، أو طباعة المصاحف.
#وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». (أخرجه مسلم).
——–
٢. الدعاء والاستغفار: وهو من أنفع ما يُقدم للميت، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10]. وقال ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ». (أخرجه ابن ماجه).
———
٣. قضاء الديون والعبادات: كالمسارعة في سداد ديونه المادية، أو قضاء ما فاته من صيام أو نذور، لقوله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». (أخرجه البخاري ومسلم).
———
٤. إطعام الطعام للفقراء والمساكين: بنية هبة الثواب للميت، بعيداً عن سرادقات المباهاة، فهذا مما ينفعه بإجماع العلماء.
———-
الخلاصة:
١.إقامة سرادق متواضع، بلا إسراف، ومن مال بالغ عاقل متبرع به (وليس من التركة)، لاستيعاب المعزين: (جائز شرعاً).
٢.المبالغة في السرادقات، ودفع عشرات الألوف للقراء طلباً للسمعة والمباهاة: (حرام شرعاً)؛ لما فيه من الإسراف، وتضييع الأموال، وفساد النية.
٣.أخذ هذه النفقات من تركة الميت وفيها قُصَّر أو من لم يرضَ: (كبيرة من الكبائر) وأكل لأموال الناس بالباطل.
٤.ما يُنفق في هذه المظاهر لو تُصدق به على الفقراء بنية الميت، لكان أعظم أجراً، وأبقى أثراً، وأرضى للرحمن.
والله أعلم.

إرسال تعليق