رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المتعالمون
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
المتعالمون:
من أشد أنواع عبيد الفكر الغربي خطرًا: صنف ظهر حديثًا، لا أجد وصفًا يجليهم ويبرز سماتهم المشتركة إلا إنَّهم «المتعالمون».
هؤلاء الَّذين طلعوا على النَّاس بدين جديد، غير الدين الَّذي عرفته الأمة المسلمة خلال أربعة عشر قرنًا من الزمان، وفهمته من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن هدي أصحابه عامَّة، وخلفائه الراشدين خاصَّة، ومن فهم سلف الأمة الَّذي أجمعت عليه في خير قرونها، فجاء هؤلاء بدين غير هذا الدين، وشريعة غير هذه الشريعة، ومنهج غير هذا المنهج.
فهم يقدسون القرآن، لكنهم يقرؤونه – فيما زعموا – قراءة معاصرة، قراءة جديدة لا ترجع إلى أصول الفقه، ولا أصول التفسير، ولا أصول الحديث، ولا تأخذ بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التفسير؛ لأنَّ السُّنَّة عندهم مشكوك فيها، والبخاري ومسلم – فضلًا عمن هو أدنى منهما – حاطبا ليل، جامعان للعاطل والباطل، وتفاسير الصحابة والتابعين – وإنْ أجمعوا عليها – لا تلزمنا؛ فهم رجال ونحن رجال، وإجماع أئمَّة الفقه من كل المذاهب، ومن كل المشارب لا يلزمنا؛ فقد اجتهدوا لزمنهم، ونحن نجتهد لزمننا. وهم لا يملكون من شروط الاجتهاد كثيرًا ولا قليلًا، ولعل أحدهم لا يستطيع أن يقرأ آية من القرآن قراءة صحيحة!
ولو أنَّك أعطيت أحدهم صفحة من كتاب تراثي في أصول الفقه أو الفقه، أو في التفسير أو الحديث، أو علم الكلام، لم يستطع أنْ يقيم لسانه في قراءتها – ناهيك أنْ يفهمها – لأنَّه لا يفرق بين فاعل ومفعول، ولا يعرف مرفوعًا من منصوب.
إنَّهم لم يدرسوا الثقافة الإسلاميَّة والثقافة العربيَّة في مصادرها الأصلية، ولم يستقوها من ينابيعها النقية، بل خطفوا صفحات من هنا، وصفحات من هناك، وجمعوا قشورًا من هنا ومن هناك، واستقرت في عقولهم شبهات أو مفتريات من هنا ومن هناك، ومن هذا الخليط تكوَّنت ثقافتهم الَّتي يباهون بها!
من هؤلاء من يعتبر القرآن نصًّا تاريخيًا، يحكم على زمنه، ولكنَّه لا يحكم على زمننا.
وبعضهم يؤوله تأويلًا لا يخضع لأصول منضبطة، ولا لقواعد معلومة. أشبه بما كان يفعله الباطنية قديمًا بطريقة جديدة.
وبعضهم يدعي أنه فوق الأئمة المتبوعين، وفوق شيوخهم من التابعين؛ بل فوق الصحابة أنفسهم، فهو أفهم منهم لكتاب الله، وأفقه منهم لدين الله! وهكذا يفعل الغرور والإعجاب بالنفس لأهله.
ومعنى هذا: أنَّ من حقِّ كلِّ امرئ أن يجعل لنفسه دينًا وفق مزاجه، وتبعًا لرأيه وهواه، وأن لا يوجد للناس مرجع يعتمدون عليه، ويحتكمون عند الاختلاف إليه، ما دام كل امرئ أصبح هو المرجع والمعتمد، وأن الدين الَّذي يفترض فيه أن يجمع النَّاس قد أصبح مفرقًا لهم، وصاروا شيعًا، كل حزب بما لديهم فرحون؛ لأن كل واحد اتبع سبيله الخاص، ولم يتبع «سبيل المؤمنين» فتفرقت بهم السبل، وبعدت بهم عن صراط الله كما قال تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ} [الأنعام:153].
ومقتضى موقف هؤلاء: أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة طَوَال قرونها لم تفقه دينها ولم تفهم قرآنها، ولم تعرف شريعة ربها، وأنها كانت أمة بلهاء مغفلة أجمعت على الضلالة، وزوَّر عليها بعض الكذابين أحاديث عن نبيها فصدقتهم، ومشت وراءهم، وأن هؤلاء الجُدُد هم الَّذين جاؤوا لها بطوق النجاة؛ رغم إنَّهم فيما بينهم مختلفون جد الاختلاف، وكل واحد من هؤلاء، أمثال محمَّد أركون في فرنسا، ومحمد شحرور في سوريا، ونصر أبو زيد، وسعيد العشماوي في مصر، ومحمود محمَّد طه في السودان، وأمثالهم من «المتنبئين» الَّذين يرون – في قرارة أنفسهم – إنَّهم أفضل من محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفهم منه للدين الَّذي أرسله الله به، وتلقاه عنه الصحابة والَّذين اتبعوهم بإحسان!
فمن هؤلاء من يريد «مركسة» الإسلام، ومنهم من يريد «رسملة» الإسلام، ومنهم من يريد «تنصير» الإسلام. والإسلام هو الإسلام، بأصوله ومصادره وبأهدافه ومناهجه، لا يقبل تفسيرًا ماركسيًّا، ولا رأسماليًّا، ولا نصرانيًّا. {يُرِيدُونَ لِيُطۡفُِٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ} [التوبة:32].
إرسال تعليق