بقلم: آية محمود رزق
تنتقل معركة التأثير في وعي الشباب اليوم من
المنابر ووسائل الاتصال التقليدية إلى شاشة الهاتف، حيث تتداخل الأخبار بالآراء، والمعلومات بالمشاعر، والمشاركة العامة بعمليات استهداف دقيقة للجمهور.
وتبدأ أحيانًا بضغطة بسيطة: رابط يبدو عاديًا، أو استطلاع رأي مجهول المصدر، أو منشور يستثير الغضب، أو صورة تثير التعاطف، أو مقطع قصير يعرض جزءًا من واقعة أكبر.
ثم تتوالى الخطوات؛ من جذب الانتباه إلى بناء الثقة، ومن تكرار الرسالة إلى ترسيخ رواية محددة، وقد ينتهي الأمر بتضييق مساحة الاختلاف وتحويل المتلقي نفسه إلى أداة لإعادة نشر المحتوى.
وهنا لا يصبح السؤال فقط: ماذا يشاهد شباب Gen Z على شاشاتهم؟ بل أيضًا: كيف يمكن لما يشاهدونه أن يؤثر في طريقة فهمهم للأحداث، وتقييمهم للمعلومات، وتكوين مواقفهم تجاه الآخرين؟
ففي بيئة رقمية لا تتوقف عن ضخ المحتوى، قد لا يحتاج التأثير إلى خطاب سياسي مباشر؛ أحيانًا تكفي سلسلة من الرسائل القصيرة والمتكررة حتى تبدأ في إعادة ترتيب ما يراه المستخدم مهمًا، ومن يثق به، ومن يعتبره خصمًا.
جيل وُلد داخل البيئة الرقمية
يُستخدم مصطلح «Gen Z» أو «الجيل Z» على نطاق واسع للإشارة إلى الجيل الذي يلي جيل الألفية، مع اختلاف الدراسات والمؤسسات في تحديد حدوده العمرية بدقة.
لكن الأهم من سنة الميلاد هو البيئة التي نشأ فيها هذا الجيل.
فالشاب اليوم يتعامل مع الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي باعتبارها مساحة رئيسية للحصول على الأخبار، ومتابعة الأحداث، والتفاعل مع القضايا العامة، وتكوين الانطباعات الأولى عنها.
وهنا تتغير طبيعة التأثير.
ففي الإعلام التقليدي، كان المتلقي غالبًا أمام عدد محدود من المصادر، بينما تسمح البيئة الرقمية بوصول الرسالة نفسها عبر حسابات ومنصات متعددة، وفي توقيتات متقاربة.
ومع تكرار الرسالة، قد تبدو أكثر حضورًا ومصداقية، حتى قبل أن يسأل المستخدم: من أين جاءت؟ ومن نشرها أولًا؟ وما الذي لم يظهر في الصورة أو المقطع؟
وبذلك لا يقتصر التأثير على المعلومة التي تصل إلى المتلقي، وإنما يمتد إلى طريقة ترتيب الواقع داخل وعيه: ما القضية المهمة؟ من المسؤول؟ من الضحية؟ من الخصم؟ وما التفسير الذي يبدو مقنعًا؟
الاستقطاب لا يبدأ دائمًا بدعوة مباشرة
يبدأ الاستقطاب الرقمي في بعض الحالات دون رسالة صريحة تطلب من المستخدم الانضمام إلى جماعة أو تبني موقف سياسي محدد.
قد يبدأ بمحتوى عام، أو قصة إنسانية، أو مادة تاريخية، أو سؤال مثير للجدل، ثم ينتقل تدريجيًا إلى رسائل أكثر تحديدًا.
وتشير دراسة لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن الضغوط التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين في مصر بعد عام 2013 ارتبطت بتحولات في بعض هياكلها التنظيمية ووسائل اتصالها، شملت أنماطًا أكثر عنقودية واستخدام وسائل اتصال رقمية، من بينها الرسائل المشفرة ووسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني.
ولا تكمن أهمية هذه الحالة في أدوات الاتصال ذاتها، وإنما في أنها تقدم مثالًا على التحول الذي يمكن أن تحدثه البيئة الرقمية في شبكات التواصل السياسي: تقليل المسافات بين الأفراد، وإعادة توزيع الرسائل، والحفاظ على الاتصال في ظل تغير الظروف المحيطة.
لكن ذلك لا يعني أن كل نشاط سياسي رقمي يمثل استقطابًا، ولا أن كل مجموعة إلكترونية مغلقة مرتبطة بتنظيم سياسي؛ فالفارق تحدده طبيعة المحتوى، وطريقة إدارة الاختلاف، والهدف من التواصل.
«صوّت».. الضغطة التي تستحق سؤالًا آخر
تبدو كلمة «صوّت» بسيطة ومحايدة، لكن قيمة المشاركة الرقمية لا تنفصل عن السياق الذي تحدث فيه.
فقد يكون الاستطلاع وسيلة مشروعة لقياس اتجاهات الجمهور، وقد يتحول في سياقات أخرى إلى مدخل لجذب المستخدم إلى سلسلة من المحتويات السياسية المتتابعة.
من أطلق الاستطلاع؟
ما مصدر المعلومات التي بُني عليها؟
هل يعرض وجهات نظر متعددة؟
وماذا يحدث بعد الضغط على زر «صوّت»؟
فالمشكلة لا تكمن في المشاركة نفسها، وإنما في غياب الوعي بالسياق الذي تتم داخله المشاركة.
عندما تصبح المشاعر أسرع من الحقيقة
تنتشر الرسائل التي تثير الغضب أو الخوف أو التعاطف أحيانًا أسرع من المواد التي تحتاج إلى قراءة وتحليل.
صورة مؤلمة، أو مقطع صادم، أو قصة عن مظلومية، أو منشور يستحضر شعورًا بالتهديد؛ كلها أدوات يمكن أن تدفع المستخدم إلى التفاعل قبل أن يمنحه الوقت الكافي للتحقق.
ولا يعني ذلك أن المشاعر غير مشروعة، أو أن التعاطف مع الضحايا خطأ؛ وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول المشاعر إلى بديل عن التحقق، ويُستخدم الحدث الإنساني لتمرير تفسير سياسي كامل.
وتظهر أهمية ذلك عند استدعاء أحداث عام 2013 في مصر، التي لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية والاجتماعية.
فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير صدر عام 2014، مقتل ما لا يقل عن 817 شخصًا خلال فض اعتصام رابعة، ورجحت أن يتجاوز العدد ألف شخص. كما وثق التقرير استخدام بعض المشاركين في احتجاجات مؤيدة لمحمد مرسي للأسلحة النارية في وقائع محددة، إلى جانب سقوط قتلى من قوات الأمن.
ولا يمكن اختزال أحداث بهذا التعقيد في صورة واحدة أو رواية واحدة. فالمشكلة ليست في استدعاء التاريخ، وإنما في انتقائه وإعادة تقديمه خارج سياقه بهدف إنتاج موقف سياسي معاصر.
الذاكرة الرقمية.. حين يعود الماضي بصيغة جديدة
يعيد المحتوى الرقمي تقديم الأحداث التاريخية للأجيال التي لم تعشها بصورة مباشرة.
وقد يعيد مقطع عمره سنوات تشكيل فهم المستخدم لحدث تاريخي كامل إذا ظهر أمامه بصورة متكررة، مصحوبًا بالتفسير نفسه، ومن دون معلومات كافية عن زمن تصويره أو مكانه أو سياقه.
ومع الوقت، قد تتحول الذاكرة إلى أداة لإعادة إنتاج الغضب.
وهنا لا يصبح السؤال فقط: ماذا حدث؟ وإنما أيضًا: كيف جرى اختيار ما أراه من الحدث؟ ومن الذي قدم لي هذه الرواية؟
فدراسة الماضي حق معرفي، ومناقشة أحداثه ضرورة، لكن تحويله إلى مادة دائمة لإنتاج الخصومة قد يجعل الخلاف حول تفسير حدث تاريخي سببًا لإعادة تقسيم المجتمع في الحاضر.
من «نحن» و«هم» إلى إغلاق مساحة الحوار
يبدأ الخلاف أحيانًا من قضية سياسية محددة، ثم ينتقل إلى موقف من مؤسسة أو فئة، قبل أن يتطور إلى تقسيم المجتمع إلى معسكرين: «نحن» و«هم».
وعندما يصبح هذا التقسيم إطارًا أساسيًا لفهم السياسة، يتراجع الاختلاف لصالح التصنيف؛ فالمخالف يتحول إلى خصم، والخصم قد يتحول إلى عدو، والنقد إلى خيانة، والحوار إلى ضعف.
وهنا تضيق مساحة النقاش العام لصالح منطق الاستقطاب.
لكن يجب التمييز بين الاختلاف السياسي الطبيعي وبين الخطاب الذي يتجاوز ذلك إلى التحريض على الكراهية أو تبرير العنف أو نزع الصفة الإنسانية عن فئة من المجتمع.
أخطر لحظة.. عندما يصبح المتلقي ناشرًا
تتمثل إحدى أهم خصائص البيئة الرقمية في قدرة المستخدم على الانتقال من دور المتلقي إلى دور الناشر.
يضغط «مشاركة»، ويرسل الرابط إلى صديق، وينشر المقطع في مجموعة، ويضيف تعليقًا يؤكد الرواية التي تلقاها.
وبذلك تنتقل الرسالة أفقيًا من مستخدم إلى آخر، دون الحاجة إلى أن يدير صاحبها الأصلي كل عملية انتشار.
وقد تبدو الرسالة، بعد مئات المشاركات، وكأنها تعبر عن «رأي عام»، بينما قد يكون انتشارها ناتجًا في جزء منه عن آليات إعادة النشر والتفاعل الرقمي.
وهنا يتحول المستخدم من متلقٍ للرسالة إلى جزء من آلية انتشارها.
من الخطاب السياسي إلى التحريض
لا يمثل كل خطاب معارض تطرفًا، ولا يشكل كل خلاف سياسي تحريضًا، كما أن انتقاد مؤسسات الدولة لا يعني بالضرورة استهداف المجتمع أو الدعوة إلى العنف.
لكن الخطاب ينتقل إلى مستوى مختلف عندما يتحول إلى تحريض على الكراهية، أو تبرير للعنف، أو نزع للصفة الإنسانية عن فئة من المجتمع، أو تقديم العنف باعتباره الوسيلة الوحيدة لحل الخلاف.
كما ينبغي الحذر من الخلط بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المسلحة المختلفة؛ فإسناد مسؤولية أي عمل عنيف إلى جهة بعينها يحتاج إلى أدلة محددة، ولا يصح تحويل العلاقة السياسية أو الفكرية المفترضة إلى دليل تلقائي على المسؤولية المباشرة.
وهذه الدقة ليست تفصيلًا أكاديميًا، وإنما شرط أساسي لفهم ظاهرة الاستقطاب بعيدًا عن التعميم.
كيف يكتشف الشاب محاولات التأثير في وعيه؟
لا يمثل كل محتوى سياسي محاولة للاستقطاب، ولا ترتبط كل مجموعة مغلقة بتنظيم سياسي.
لكن مجموعة من المؤشرات تستدعي التوقف والتحقق، خصوصًا عندما تظهر مجتمعة:
- غموض الجهة التي تقف وراء المحتوى.
- الاعتماد على الخوف والغضب بدل المعلومات الموثقة.
- عرض الصور والمقاطع دون سياق أو مصدر واضح.
- تقديم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الوحيدة.
- الضغط المتكرر على المتابع لإعادة النشر.
- استخدام استطلاعات أو تصويتات مجهولة المصدر لجذب المستخدم إلى محتوى آخر.
- الانتقال التدريجي من المحتوى العام إلى مجموعات أكثر انغلاقًا.
- مهاجمة كل من يطرح تفسيرًا مختلفًا.
- تحويل الاختلاف السياسي إلى اتهامات بالخيانة أو العمالة.
- تقديم فئة من المجتمع أو مؤسسة بأكملها باعتبارها «عدوًا».
- تبرير الكراهية أو العنف باعتبارهما ردًا طبيعيًا على الخلاف.
ومع ذلك، فإن وجود مؤشر واحد لا يكفي لإصدار حكم؛ الأهم هو النمط العام والسياق ومصدر المحتوى والهدف الذي يقود إليه.
الوعي الرقمي لا يعني الابتعاد عن السياسة
لا تبدأ حماية الشباب من الاستقطاب بإبعادهم عن السياسة، كما لا تعني مطالبتهم بتصديق رواية واحدة، سواء كانت رسمية أو معارضة.
بل تبدأ من امتلاك القدرة على المقارنة والسؤال والتحقق.
أن يعرف الشاب الفرق بين الخبر والرأي، وبين الوثيقة والتفسير، وبين النقد والتحريض، وأن يدرك أن انتشار المحتوى لا يعني بالضرورة صحته، وأن كثرة المشاركات لا تمنح المعلومة قيمة توثيقية.
كما أن التربية الإعلامية والرقمية لا ينبغي أن تقوم على منع الشباب من الوصول إلى المعلومات، وإنما على رفع قدرتهم على تقييم المصدر، وفهم السياق، ومقارنة الروايات، واكتشاف أساليب التلاعب بالمشاعر والمعلومات.
فالشاب الواعي ليس من يرفض كل محتوى سياسي، وإنما من يستطيع التعامل معه دون أن يفقد استقلاله في التفكير.
كلمة أخيرة
تبدأ عملية التأثير أحيانًا بضغطة صغيرة، لكنها لا تتحول إلى استقطاب إلا عندما تتراكم حولها مجموعة من الآليات: تكرار الرسالة، واستثارة المشاعر، واحتكار الرواية، وإقصاء الأصوات المختلفة، وتحويل المتلقي نفسه إلى أداة لإعادة الانتشار.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط:
ماذا يقول هذا المحتوى؟
بل:
من ينتجه؟ وما مصدره؟ وما الذي حُذف من سياقه؟ ولماذا يصل إليّ بهذه الصورة؟ وإلى أين يقودني؟
فالمعركة الحقيقية على الوعي الرقمي لا تدور فقط على شاشة الهاتف، وإنما داخل المساحة التي يحتفظ فيها الإنسان بحقه في أن يفكر، ويسأل، ويقارن، ويختلف.
وقد تبدأ القصة بضغطة واحدة...
لكن استقلال الوعي يبدأ عندما يتوقف الإنسان لحظة قبل الضغطة التالية.
من ضغطة الي استقطاب .. كيف يعيد الخطاب السياسي الرقمي تشكيل وعي Gen Z
Aya Mahmoud Rezq
0
الوسوم
صحافة المواطن

إرسال تعليق