رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن النصيحة السياسية فى الفقه المعاصر



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الفقهاء توافقوا على اعتبار النصيحة قولا فيه دعوة صلاح ونهي عن فساد . ويمكن النظر إلى فقه النصيحة من ثلاث جهات: من جهة مصدره، ومن جهة موضوعه، ومن جهة منهجه، فأما مصدره فهو الشريعة، نصوصا وإجماعات، وكذا آثار الصحابة، ولأن دور الفقيه هو حفظ الدين في أي نظام سياسي يتبناه المسلمون فإن النصيحة تصبح- من ثم- واجبة عليه، خاصة حين تتنكب السياسة طريق الشريعة، وأما من حيث الموضوع فلا يكون إسداء النصح لكيفية إدارة الحكم بشكل فعّال وعادل، كما هو الشأن في أدب النصيحة السلطاني، بل التذكير بمبادئ الإسلام في الحكم وبسيرة النبوة والخلافة فيه، وأما منهجه فهو، في الغالب، نقلي معضد بالقياس الفقهي، فهو جزء من فقه السياسة الذي اعتبره الجابري كجميع فروع الفقه الأخرى بدأ بالحديث النبوي ، ويحكم فقه النصيحة في تبويبه ومضمونه حديث «الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (رواه مسلم).
والنصيحة السياسية عملية تواصل تقتضي ناصحا ومنصوحا ومنصوحا به ، حيث يكون الناصح فاعلا سياسيا يملك سلطة رمزية دينية ما- فقيه أو داعية- أو سياسية- أمير، وزير أو خليفة- ويسدي النصح للمنصوح- حاكم المسلمين أو أفرادهم أو جماعاتهم، أما المنصوح به فهو مضمون النصيحة، وهناك عنصران خارجيان في عملية النصيحة هما سياق النصيحة، الوضع السياسي في الغالب، وصيغة النصيحة- رسالة أو وصية أو خطبة- وتصير النصيحة فعلا سياسيا إذا كان المنصوح يملك سلطة سياسية أو اجتماعية، ومن هنا تأتي أهمية المفهوم عند الفقهاء حيث يمثل الصلة بين المسؤول والرعية ، أما إذا كان موجها إلى أشخاص مجردين من تلك السلطة، أفرادا كانوا أو جماعات، فإنه يكون فعلا أخلاقيا أو وعظيا على الأكثر، وينتج عنه أن النصيحة تفاعل في النظر السياسي بين الفقه والواقع.
في الفقه الإسلامي
ذكر محيي الدين يحيى بن شرف النووي (توفي سنة 676هـ) في كتابه «تهذيب الأسماء» أن من نصيحة السلطان في الأحكام «تنبيهه إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام، وأوجب الله تعالى الشفقة على الرعية والاهتمام بالضعفة وإزالة الضرر عنهم» ، فهي إذن تخص الجانب الشرعي التطبيقي (الأحكام)، والجانب الاجتماعي (العدل)، ويؤكد الجانب الاجتماعي في العدل بقوله «إنه تجب الشفقة على الراعي والرعية ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم فإن الدين النصيحة» ، أما عواقب النصيحة السياسية فيرى النووي أن «التهديد أو أكثر منه لا يمنع من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري» ونصَّ النووي على وجوب النصيحة السياسية فقال «وقد أوجب الله على المكلفين نصيحة السلطان- أعز الله أنصاره- ونصيحة عامة المسلمين» هذا الكلام في النصيحة ضمنه النووي «ورقة كتبها إلى الملك الظاهر تتضمن العدل في الرعية وإزالة المكوس» ، لذلك فهي شهادة في فقه النصيحة وممارستها في آن واحد.
وأضاف محمد بن علي بن جماعة (توفي سنة 733هـ) النص على النصيحة العامة في كتابه «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام»، ففي معرض سرده لحقوق السلطان، ذكر «الحق الثاني، بذل النصيحة له سرا وعلانية» ، ثم استشهد لدعم رأيه، بحديث «الدين النصيحة».
في بعض الاجتهادات الفقهية المعاصرة
نبدأ برأي الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (توفي سنة 1421هـ) في وجوب التناصح بين الرعية والرعاة، ولابد هنا من الإشارة إلى أنه يعتبر أن دلالة «أئمة المسلمين تشمل النوعين، أئمة الدين وهم العلماء، وأئمة السلطان وهم الأمراء، وإن شئت فقل أئمة البيان وأئمة السلطان، أئمة البيان وهم العلماء الذين يبينون للناس، وأئمة السلطان وهم الأمراء الذين ينفذون شريعة الله بقوة السلطان، إذن أئمة المسلمين سواء أئمة العلم والبيان أو أئمة القوة والسلطان»، وقد يرد إشكال حول الحكومات التي تستند إلى شرعية دينية، هل يصبح الحاكم فيها محتكرا لقوة البيان وقوة السلطان؟ إن كان الأمر كذلك فقد يكون خارج دائرة النصيحة. ويبدو أن الشيخ العثيمين يحرص، ولو ضمنيا، على توازن السلطات بين السلطة الرمزية للفقيه والسلطة المادية للسياسي، وتوازن السلطتين يقتضي الفصل بينهما.
يرى الشيخ العثيمين أن «من حقوق الرعاة على رعيتهم أن يناصحوهم ويرشدوهم، وألا يجعلوا من خطئهم إذا أخطأوا سلّما للقدح فيهم ونشر عيوبهم بين الناس، فإن ذلك يوجب التنفير عنهم وكراهيتهم وكراهية ما يقومون به من أعمال وإن كانت حقا، ويوجب عدم السمع والطاعة لهم، وإن من الواجب على كل ناصح، وخصوصا من ينصح ولاة الأمور أن يستعمل الحكمة في نصيحته، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن رأى ممن ينصحه من ولاة الأمور قبولا للحق وانقيادا له فذلك، وإلا فليتثبت في الأمر وليتحقق من وقوع الخطأ منه وإصراره عليه، ثم ليرفعه إلى من فوقه إن كان في ذلك مصلحة وإزالة للظلم» ، ومنه يفهم أن النصيحة حق للحاكم على المحكومين.. لكن هل النصيحة المقصودة هنا هي النصيحة العامة، أو بتعبير ابن جماعة «النصيحة علانية» في قول الشيخ العثيمين «ونشر عيوبهم بين الناس» إيماء منه إلى كراهية النصيحة العامة؟ أما أسلوب النصيحة فهو يراعي السياق السياسي واستعداد المنصوح لتلقي النصيحة، وهذا يعني أن مراعاة شروط النصح يمكنها أن تعيق واجب النصيحة.
ومع ذلك فإن الشيخ العثيمين يتمسك بمبدأ وجوب النصيحة السياسية، لكنه يشترط السرية والتثبت، أي تبين سياق النصيحة والمنصوح وصحة المنصوح به أو فيه، فيقول «يجب علينا أن نناصحهم وأن نحرص على بذل النصيحة لهم في الدفاع عنهم وستر معايبهم وعلى أن نكون معهم إذا أخطأوا في بيان ذلك الخطأ لهم بيننا وبينهم، لأنه ربما نعتقد أن هذا العالم مخطئ، أو أن هذا الأمير مخطئ، وإذا ناقشناه تبين لنا أنه غير مخطئ، كما يقع هذا كثيرا، كذلك أيضا ربما تنقل لنا هذه الأشياء عن العالم أو عن الأمير على غير وجهها، إما لسوء القصد من الناقل، لأن بعض الناس، والعياذ بالله، يحب تشهير السوء بالعلماء وبالأمراء، فيكون سيئ القصد ينقل عليهم ما لم يقولوا وينسب إليهم ما لا يفعلوا، فلابد إذا سمعنا عن عالم أو عن أمير ما نرى أنه خطأ، لابد في تمام النصيحة من الاتصال به ومناقشته وبيان الأمر وتبيّنه حتى نكون على بصيرة» .
ولأن الشأن السياسي هو بطبيعته شأن عام، فإن الشيخ عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه اختار النصيحة العامة العلنية في رسالة إلى الفرقاء السياسيين المتحاربين في الصومال بعنوان «الدين النصيحة»، وهي عبارة عن رد على شبهتين يتمسك بهما رافضو السلم في الصومال «شبهة عدم تطبيق أحكام الحدود من طرف حكومة شريف، وشبهة الولاء والبراء، باعتبار أن حكومة شريف لها علاقات بدول غير مسلمة»، ويلاحظ أن الشيخ بن بيه يسلك في النصيحة أسلوب الرد الفقهي والكلامي من خلال عرض رأي المنصوح (الشبهة)، ثم نقضه بالحجج، وهو تارة يأتي بالآيات والأحاديث وأخبار الخلفاء، وتارة أخرى يستعمل النظر المقاصدي المصلحي في وجوب حفظ النظام ومراعاة ضرورات السياسة، فيرد بقوله «فأما بالنسبة للشبهة الأولى وهي تطبيق الشريعة في مجال العقوبات، فأود أن أقول: إن مضمون الشريعة واسع، متسع الأرجاء، مترامي الأطراف، فهو يشمل كل الأوامر والنواهي في شتى مجالات الحياة وميادين الأعمال الصالحات التي تخدم الفرد والمجتمع، ومجال العقوبات أحدها، وتطبيق الشرع فيه واجب، فهو أمر مطلوب شرعا ومرغوب طبعا، لأنه يقطع دابر الفساد، لكنه محاط بشروط، أولها توفر نظام مستقر مطاع، فهو من الأحكام السلطانية، كما هو معلوم» ، وبالنسبة للولاء والبراء فينصح الشيخ بن بيه الفرقاء بعدم التمسك بهذه الشبهة لقتال القوات الإفريقية التي «جاءت لمساعدة البلاد بقرار إقليمي ومحلي من حكومة شريف «فالمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم»، فكيف إذا كان مسؤولا كبيرا، فلا يجوز قتالهم بحال من الأحوال، بل عليكم أن تتفقوا مع إخوانكم لتحديد مدة مأموريتهم، ومدى صلاحيتهم، وباتفاقكم مع إخوانكم يسهل انسحابهم وتنتفي الحاجة إليهم» ، ويختم الشيخ بن بيه نصيحته «هذه نصيحتنا ونحن مستعدون لإجراء حوار معكم لبيان الحق حول هذه القضايا وغيرها» .
وختاما فإن الشيخ عبدالمحسن بن حمد العباد البدر أوجب أن تكون «النصيحة لولاة الأمور وغيرهم سرا وبرفق ولين، وإذا خلا النصح من الرفق واللين وكان علانية فإنه يضر ولا ينفع، ومن المعلوم أن أي إنسان إذا كان عنده نقص يحب أن يُنصح برفق ولين، وأن يكون ذلك سرا، فعليه أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به» ، لكن النصيحة في رأيه لابد أن تكون مرفقة بالسمع والطاعة في المعروف، فيقول «فإذا أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة في ذلك، ومن النصح للولاة الدعاء لهم وعدم الدعاء عليهم، وهي طريقة أهل السنة والجماعة إذا حصل من ولاة الأمر فسق أو جور فلا يجوز الخروج عليهم، لأنه يترتب على الخروج عليهم من الفوضى والفساد أضعاف ما يحصل من الجور، ولا يجوز الخروج عليهم إلا إذا حصل منهم كفر واضح بيّن، ومن قواعد الشريعة ارتكاب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما» .
وخلاصة استعراضنا لبعض الاجتهادات الفقهية المعاصرة أن النصيحة السياسية واجبة لكنها ليست شكلا من أشكال التفاعل السياسي المباشر بين الحاكم والمحكومين، وهي أيضا تختلف عن الضغط أو التأثير الذي يمارس في الديموقراطيات الغربية، بل هي وعظ أو تذكير ببعض وظائف الحاكم من منظور الشريعة، ويشترط فيها البعض أن تكون سرية مما يبعدها عن الحياة السياسية العامة، والمصدر الشرعي لهذه الصياغة هو عقيدة أهل السنة والجماعة في تحريم الفتنة والتزام الوحدة من جهة، ومن جهة أخرى المصلحة التي تتقي عواقب النصيحة.

اكتب تعليق

أحدث أقدم