رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه التخطيط الثقافى



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أنه ربما يستغرب البعض حقيقة امتداد ميادين ومجالات التخطيط إلى قطاع الثقافة، في وقت يدرك آخرون مدى أهميته، وهم بالتالي لا ينفونه، إنما يثمنون دوره وأهميته في الوصول إلى ثقافة متميزة، مادتها ثقافة نوعية، والمتعامل معها هو المثقف الحقيقي، وأما صانعها فهو المبدع.
والواقع أن مفهوم التخطيط الثقافي، معناه وضع استراتيجية أو أجندة حالية أو مستقبلية (قريبة أو بعيدة) تأخذ بالاعتبار ركائز عملية إنتاج أو توليد المادة الثقافية الإبداعية، تلحظ أيضًا تقويم ما أنجز خلال الخطة الثقافية، كل ذلك في سبيل التطوير الثقافي والوصول إلى جيل مثقف قادر على حمل رسالة الثقافة وغاياتها الإنسانية السامية والنبيلة.
تخطيط الأنظمة والاستعمار
ما من شك بأن الكثير من الأنظمة لها سياسات معينة تجاه ثقافة بلادها، منها أنظمة تركز على ثقافة تدميرية، يعني «بصريح العبارة» أنها تقوم بكل ما لم يقم به المستعمر، وقد جاءت أصلًا لتكمل دوره في هدم البنيان الثقافي، ومثل هذه الأنظمة لها استراتيجيات ترمي في نهاية المطاف إلى نسف الإبداع الحقيقي، والاكتفاء بتلميع مبدعين (أو هكذا تسميهم أنظمتهم) إذ لا ندري ما هي الأسس التي اعتمدتها ولا نعرف المعايير التي استخدمتها في تصنيفها غير الولاء المطلق وتقديم جميع أنواع التنازلات وتأدية كل أنواع الخدمات للأسياد، على أية حال، مثل هؤلاء هم من ضمن خطط أنظمتهم، وبالتالي فإن وجودهم لم يكن عبثًا ولا بالمصادفة، إنهم نالوا رضا واستحسان أسيادهم لما قاموا به من اجتثاث لجذور ثقافة الأصالة.
ولعل ما أعنيه في هذا السياق هو إغراق أسواقنا الثقافية بنتاج (حجم هائل يركز على ثقافة الكم وفي حقيقته أمي أو جاهل بثقافة النوع) مثل هذا النتاج سواء كان كتابًا أو وسيلة إعلام (مسرحاً، سينما) وغيرها من سبل الثقافة يراد به أصلاً الوصول إلى نوع من الأشخاص المؤطرين هم في حقيقتهم غير مثقفين إلا من جانب ثقافة السلطة.
حقيقة فاعلة
اذا كان ذلك هو حال بعض الأنظمة التي تعيش خارج حدود وأسوار العصر، فإن أنظمة أخرى أعطت أهمية كبيرة للثقافة ورصدت الكثير من الإمكانات، فهي تطمح إلى وجود المثقف الحقيقي، وبالمناسبة مثل هذه الأنظمة لم تخطط لـ«مقص» الرقيب إلا في حدود وحالات ضيقة جدًا، بحيث إنها تريد أن تصل إلى مثقف يقتنع بأن ما قد يتعامل معه من مادة ثقافية هو هابط وغير جدير بالمتابعة وأنه من الواجب أن يخرجه من دائرة تعامله.
ولعلي كلما تذكرت مقص الرقيب الخاص ببعض الأنظمة المترهلة أبتسم ساخرًا وأنا أردد: القائم بهذا الأمر يعمل ضمن منظومة تخطط وتعرف أبعاد ما تقوم به، لكن ما يجهله هو أن المتعامل مع المادة المبتورة أو المساء إليها بهذا القص والإلغاء، مثل هذه المادة ستشد الكثيرين وربما تشدني شخصيًا لمتابعتها وقد يكون ذلك من باب الفضول، يعني أن هناك الكثيرين ممن لم يكن في أذهانهم التعامل مع مثل هذه المادة باتوا الآن أمام أبوابها، وربما دخلوا في عوالمها وتفاعلوا معها بدرجة كبيرة.
أعود إلى نقطة مهمة تتعلق بربط ما أشرت إليه بالتخطيط الثقافي، فبإمكان الرقيب (لو كان مخلصًا للثقافة بالفعل) أن يخطط للوصول إلى حالة أو مرحلة يستطيع من خلالها أن يرد على تلك المادة بطريقة مقنعة توضح للآخر أنها فعلًا ستسيء له إذا ما تعامل معها.
التخطيط الثقافي ومعاناته
عندما يكون القائمون على عملية التخطيط الثقافي أشخاصًا يتسمون بكفاءات وإمكانات وإبداعات ثقافية، فلابد لخططهم أن ترتكز على أسس موضوعية وصحيحة، مثل هؤلاء بالتأكيد يضعون في مقدمة خططهم مصلحة البلد الثقافية، وفي أذهانهم ملامح غد واعد ومستقبل مشرق يسعون إليه، كل ذلك انطلاقًا من اقتناعهم بأن هذا لا يرسمه أو لا يصله غير المثقف الحقيقي عبر ما يقدم له من مادة جادة وهادفة، أو من خلال ما يصنعه من ثقافة لا تغيب عن فضاءاتها نسمات العلم والاختراع والقيم السامية والنبيلة، أو كل ما هو جديد ويقدم خدمة للمجتمع.
وبعكس ذلك نجد أنه عندما يكون القائمون على التخطيط الثقافي أشخاصًا نفعيين وانتهازيين لا علاقة لهم بالثقافة، اللهم إلا من جانب ثقافة «تسريحات الشعر» أو «السهرات»، إضافة إلى ثقافة كتابة التقارير التي تخدم أنظمتهم.. تقارير علاقتها تنحصر بثقافة الزيف والمكر والخداع، فأية خطط نتوقعها من مثل هؤلاء، وأية لوحات ننتظرها منهم مستقبلًا غير لوحات التضليل وإفساد كل من لم يفسد بعد.
مثل هؤلاء عزيزي القارئ يلحظون في خططهم محاولة التغلغل أو اعتلاء منابر ثقافية نعتز بها أشد اعتزاز، ربما نجح بعضهم في ذلك، وهذا مؤلم ومؤسف لنا ولثقافتنا، وبالمناسبة أقول للقائمين على تلك المنابر: احذروا تلك الأبواق والطبول الجوفاء، فهم دائمًا يرددون «لسنا الوحيدين الفاسدين».
مفسدو الثقافة
من المفيد لثقافتنا أن نحسن التعامل مع مفرزاتهم (سأكون مخطئاً لو قلت نتاجهم) وأظن أن في ذلك مشكلة ستعترضنا، وأسئلتي: مع أية مكبات للنفايات سنتعامل بحيث أنها تستوعب هذا الحجم أو الكم الذي أتخمنا طويلًا طويلًا؟ ماذا عن تأثيره في المدى القريب والبعيد على بيئتنا الثقافية؟ وما هي أفضل السبل للتخلص من آثاره أو من بقاياه؟
يهمنا أيضًا عملية الوصول إلى ثقافة الآخر والتخطيط للتلاقح معها، فنحن نريد منه فهم ثقافتنا، وعلينا أن نثبت له بأن ما لدينا حسنٌ، في وقت نحترم ما بحوزته، نريد منه أيضًا ألا تأخذه نزعة أو عاطفة ما فيكون حكمه غير صائب على ثقافتنا، وطبعًا يساعد على إنجاز ذلك التخطيط لإيجاد ملحقين ثقافيين حقيقيين، واستبعاد الكثير من الحاليين وإعادتهم إلى مؤسساتهم غير الثقافية أصلًا

اكتب تعليق

أحدث أقدم