رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن أثر غزوة خيبر على المسلمين

بقلم \  المفكر العربى الدكتور خالد محمود  عبد القوي عبد اللطيف 
مؤسس  ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى 
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين 
كان هذا الفتح المبين عقابا من الله تعالى لليهود على مكرهم وشرورهم وعدوانهم، وإذلالًا لهم، وثوابًا منه تعالى للمؤمنين الصادقين المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم، ونصرًا لهم على عدوهم الذي ما فتئ يدس لهم ويكيد عليهم، وتصديقًا لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 171 - 173] [1].
ومن الآثار الميمونة لهذا النصر:
1- خضْدُ شوكة اليهود في الحجاز، وتَصفيِة الموقف معهم، وأمْنُ جانبهم نهائيًا[2]:
كانت خيبر آخر معاقل اليهود في الحجاز، وكانت مصدرًا للشرور والفتن، ووكرًا لتدبير المكائد للمسلمين، ولما تم فتح خيبر وانتصر المسلمون بفضل الله، ودان اليهود لسلطان المسلمين، انتهت قوة اليهود ونفوذهم بشكل نهائي، وبقوا في خيبر منزوعي السلاح، أُجَراء عند المسلمين يعملون في أراضيهم، وقد أمن المسلمون بذلك الجهة الشمالية للمدينة، حيث لم يقم لليهود قائمة بعد ذلك في جزيرة العرب.
ومما يدل على سماحة الإسلام، وعلى عظمة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه عامل اليهود بعد هزيمتهم بصفتهم بشرًا غير مقاتلين - ولو كانوا أعداءً له ولرسوله -، فبعد تأمينهم على أرواحهم، لم يستنزف طاقتهم كالعبيد، بل أمكن إيجاد جو من التعايش معهم، بحيث يشتغلون بأرض المسلمين ولهم نصف الثمر[3]، لمعرفتهم بالزراعة، ولسلب القوة من تحت أيديهم، كونهم أجراء يجليهم المسلمون متى شاؤوا.
وقد أتاح القضاء على الكيان اليهودي وشروره، للمسلمين التفرغ لقريش، وإعداد العدة لمجابهتها، إذا ما أرادت نقض عهدها مع المسلمين، والمسلمون موقنون، أنه لا بد أن يأتي اليوم الذي يطهرون فيه البيت الحرام من الأوثان، ويقيمون دولة الإسلام التي ترفع لواء التوحيد وتنشر العدل والسلام.
2- حصول المسلمين على الغنائم وتوسع أحوالهم المادية:
بعد فتح خيبر واستسلام حصونها، وزّع النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم على المسلمين، وكانت شيئًا عظيمًا لم يغنم الجيش الإسلامي مثله في أي غزوة من قبل[4]، فقد كان اليهود أصحاب تجارة وذهب وأموال، حتى قيل إن أعيان مكة في أعراسهم يرسلون فيستعيرون منهم الحلي، ولما عثر النبي صلى الله عليه وسلم على كنزهم، قُوم فكان بعشرة آلاف دينار لما وجد فيه من الذهب والجواهر[5].
كما كانت خيبر منطقة زراعية مشهورة بزراعة التمور، ولما غنم الصحابة رضوان الله عليهم تلك المزارع، أبقوا اليهود فيها كي يقوموا بزراعتها ويقتسموا مع المسلمين خيراتها، وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:(لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر)[6].
3- حصول المسلمين على الكثير من العتاد والأسلحة:
احتوت حصون خيبر على مخازن للعتاد والأسلحة، وتطوع أحد اليهود بإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمرها، بعد أن أصابهم الرعب وتزلزلت صفوفهم، وذلك لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم حصن الصَّعب - وهو من حصون النَطَاة المنيعة - فقال له: إن في هذا الحصن تحت الأرض منجنيقًا ودبابات[7] ودروعًا وسيوفًا. ثم أوقفه عليها لما فتح الحصن[8] وغنمها المسلمون مع الغنائم.
4- زيادة إيمان المسلمين وقوتهم:
فهم قد آمنوا بالله وصدقوا بموعوده لهم، لمَّا نزلت البشرى بالفوز والنصر، ولم يهابوا كثرة أعدائهم، لأنهم خرجوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالى، صابرين محتسبين، وهذا شأنهم دائمًا، فكان لثقتهم بنصر الله وتأييده لهم، دور فعال في بث الحماسة في نفوسهم والشجاعة في قلوبهم، وتثبيت أقدامهم، ويصدق فيهم قوله تعالى: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾[9].
5- تفرغ المسلمين لنشر الإسلام وعدم انشغالهم بالزرع، واستفادتهم من خبرة اليهود الزراعية:
تجلَّت حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في قبوله سؤال اليهود له أن يبقيهم في أرضهم يزرعونها ويقومون بها، وذلك رغبةً عن قيام الصحابة بزراعة هذه الأراضي والانشغال بها عن الجهاد في سبيل الله، فالدعوة الإسلامية في ذلك الحين تحتاج إلى كل فرد من أفرادها، ليجاهد في سبيل نشرها ولإعلاء كلمة الله، وتحوّل المسلمين للقيام بالأرض وزراعتها سيضطرهم إلى سكناها، وهذا بدوره سيحول دون تفرغهم للجهاد لنشر دين الإسلام، وقد كان الجهاد من أهم وسائل الدعوة إلى الله في تلك الفترة من تاريخ الإسلام [10].
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين من الانشغال بالزرع عن الجهاد في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم:((إذا تبايعتم بالعِينَة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم))[11].
وقال صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه لما رأى شِعبًا فيه عيينة من ماء فأعجبته، وفكر في اعتزال الناس والإقامة في هذا الشعب:((لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، أغزو في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة))[12].
كما روي أن أبا أمامة الباهلي[13] رضي الله عنه رأى سكَّة[14] وشيئًا من آلات الحرث، فقال:( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل))[15].
قال الحافظ ابن حجر[‎[16 رحمه الله: ومحل ذلك إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، أو أنه يتجاوز الحد فيه. وقيل: إن هذا لمن يقرب من العدو، فإنه إذا اشتغل بالحرث لا يشتغل بالفروسية، فيتأسد عليه العدو، فحثهم أن يشتغلوا بالفروسية، وعلى غيرهم إمدادهم بما يحتاجون إليه[17].
ووعى أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا الدرس جيدًا، فأعلن سيره على هدي النبوة من أول يوم في خلافته، وأكد أهمية الجهاد، لما خطب في المسلمين وقال:(لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله، إلا خذلهم الله بالذل)[18].
كما تنبه الصحابة رضوان الله عليهم لذلك، فجندوا كل طاقاتهم لنشر الإسلام، جهادًا ودعوة وتعليمًا، حتى بلغت دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها.
واستمر المسلمون على إبقاء اليهود بخيبر ليقوموا بزراعة الأرض، حتى كان عهد الفاروق رضي الله عنه، فرأى أن المصلحة في إجلائهم عن خيبر، وذلك لما أصبحوا مصدرًا للإفساد والغدر[19] وسببًا لقلق الدولة الإسلامية.
وقد ثبت عند عمر رضي الله عنه، وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بإخراجهم[20] في قوله: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلمًا))[21].
إضافة إلى اتساع الفتوحات الإسلامية، وكثرة الخدم في أيدي المسلمين، وقدرتهم على العمل في الأرض وزراعتها[22]، كل ذلك كان سببًا في أن يجمع عمر رضي الله عنه أمره على إخراجهم، فأجلاهم عن خيبر[23].
________________________________________
[1] سورة الصافات الآيات 171-173.
[2] انظر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، صور مقتبسة من القرآن الكريم 2/205.
[3] بتصرف، المنهج الحركي للسيرة النبوية 3/79.
[4] انظر غزوة خيبر: محمد باشميل ص 270.
[5] بتصرف، السيرة الحلبية 2/ 746.
[6] صحيح الإمام البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر 5/83.
[7] جمع دبابة وهي: آلة تتخذ من جلود وخشب، يدخل فيها الرجال ويقربونها من الحصن المحاصر لينقبوه، وتقيهم ما يرمون به من فوقهم. النهاية في غريب الحديث 2/ 96.
[8] انظر السيرة الحلبية 2/733 وص 742.
[9] سورة البقرة جزء من آية 249.
[10] بتصرف، دراسة في السيرة ص 354.
[11] سنن أبي داود كتاب الإجارة باب في النهي عن العينة 3/274 ح 3462 واللفظ له، ولم يحدد زمن الحديث، ومسند الإمام أحمد 2/84 عن ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه محقق جامع الأصول 11/765. والعينة: هو (أن يبيع شيئا بثمن مؤجل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر). عون المعبود 9/336.
[12] سنن الترمذي كتاب فضائل الجهاد باب ما جاء في فضل الغدو والرواح في سبيل الله 4/181 ح 1650 وقال: حديث حسن.
[13] هو صُدَي بن عجلان بن الحارث اشتهر بكنيته، بايع تحت الشجرة، سكن الشام وكان مع علي رضي الله عنه بصفين، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مرني بعمل. فقال له: ((عليك بالصوم فإنه لا مثل له)) فكان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يلفون إلا صياماً. بتصرف، سير أعلام النبلاء 3/359، والإصابة 2/182.
[14] هي الحديدة التي تحرث بها الأرض، انظر فتح الباري 5/5 ح 2321.
[15] صحيح الإمام البخاري كتاب الحرث والمزارعة، باب ما يحذر من الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به 3/ 66.
[16] هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل، من أئمة العلم والتاريخ، أصله من عسقلان بفلسطين، ولد بالقاهرة سنة 773 هـ وتوفي فيها سنة 852 هـ، ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث ورحل لليمن والحجاز ليسمع من شيوخها، وانتشرت مصنفاته في حياته وعلت شهرته فقصده الناس للأخذ منه، وأصبح حافظ الإسلام في عصره رحمه الله تعالى. بتصرف، الأعلام: الزركلي 1/178.
[17] بتصرف، فتح الباري 5/5 ح 2321.
[18] سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4/341، والبداية والنهاية 6/301.
[19] انظر الحديث في صحيح البخاري كتاب الشروط باب إذا اشترط في المزارعة (إذا شئت أخرجتك) 3/177، وقد اعتدى اليهود على ابن عمر رضي الله عنهما، فخلعوا يديه ورجليه، كما عدوا على عبد الله بن سهل الأنصاري وقتلوه. انظر قصته في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 3/409.
[20] وقد روى الإمام مالك قول ابن شهاب الزهري: (ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب، حتى أتاه الثلج واليقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب))، فأجلى أهل خيبر) موطأ الإمام مالك باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة - مع شرحه - تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: الإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي 3/88،، دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط: بدون.
[21] صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب 3/1388 ح 1767. وسنن الترمذي كتاب السير باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب 4/156 ح 1607.
[22] بتصرف، فتح الباري 5/ 328، ح 2730.
[23] بتصرف، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ص 421-422.

اكتب تعليق

أحدث أقدم