رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن النية روح العبادة



بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
روى الإمام مسلمٌ من حديث أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ رجلاً أتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسولَ الله، الرَّجل يُقاتل للمغنم، والرَّجل يُقاتل ليُذكَر، والرَّجل يُقاتل ليُرى مكانه، فمَن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَن قاتل لِتَكونَ كَلمةُ اللَّهِ أَعْلَى فهو في سبيلِ اللَّهِ)).
إنَّ الأعرابيَّ لا يعلم، جاء لمعلِّم الأُمة صلَّى الله عليه وسلَّم يسأله، فكان جوابه صلَّى الله عليه وسلَّم: "أنَّ مَن كانت نيَّتُه إعلاءَ كلمة الله فهو الذي في سبيل الله"، فأي أمر فرَّق بين ما لهذا الأخير من ثواب الدُّنيا وحُسن المآل في الآخرة، وبين هؤلاء الذين ليس لهم إلاَّ ما قَصَدوا إلى تحصيله، مِن مغانمَ، أو صِيت وشهرة، أو رياء وسُمعة، ممَّا لا ينفعهم في الآخرة؟
إنَّها النيَّة، المقصد، والغرض، والغاية التي تَحرَّك كلٌ منهم بغرض تحقيقها، وتوجَّه إليها، وكانت هي الطَّاقةَ الدَّاخليَّة التي تدفع به إلى هدفه، وشتَّان بين ما لهذا وبين ما لهؤلاء! وإن كنَّا نراهم في المَيدان سواءً، فبأي معيارٍ حدَّد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثواب كلٍّ منهم؟ وبأيِّ مقياسٍ حدَّد قيمة عمل كلٍّ منهم؟
إنَّها النيَّة، ذلك الفعل القلبيُّ، الذي لا يراه أحد إلاَّ الله سبحانه وتعالى إنَّها النيَّة، التي بمقتضاها يكون الجزاء: إمَّا ثواب، وإمَّا عقاب، إنَّها النيَّة، التي نغفل عنها في تعبُّدِنا وسائر أعمالنا، فلعلَّنا نخسر كثيرًا مِن ثواب أعمالنا، بسبب أنَّنا لا نستحضر نيَّتنا حين الفعل، فنؤدي بآلية، تَفتقِد إلى الخشوع، وتَفتقر إلى الرُّوح الإيمانيَّة، فنُلقي بأعمالنا إلى خواء، ونُضيِّعها ونحن لا نشعر.
((إنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ))؛ هكذا قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليعلِّمَنا أنَّ النيَّة هي الحدُّ الفاصل بين العمل الخالص لوجه الله تعالى وبين العمل الذي يُقصد به غيرُ الله تعالى.
فلكلِّ عمل ظاهرٍ، يوافق شرع الله عزَّ وجلَّ وسنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم أو يخالفهما، وبهذا يكون صلاح العمل أو فساده ظاهرًا.
ولكلِّ عمل باطنٍ، قصد، نيَّة، وبحسبه يكون الجزاءُ من الله عزَّ وجلَّ ومُستقَر هذا الباطن هو القلب، تلك المُضغة التي إذا صَلحَت صَلَح سائرُ الجسد، وإذا فسدت فسد، فالنيَّة هي رُوح العمل، وهي الموجِّهة له، وبإخلاصها لله تعالى يكون الفوز بالجِنان - بإذن الله تعالى - وبصرفها إلى غير وجهه الكريم سبحانه نكون قد أخذنا بأنفسنا إلى دَرَكِ العذاب والعياذ بالله.
وهذه دعوة إلى من تَصِله مِن أُمَّة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: أن أصْلِح نيَّتكَ، وأخلصْها لله سبحانه وألاَّ تغفل عن النيَّة في كلِّ عمل من أعمالك، سواء كان عملاً تعبديًّا خالصًا أم عملاً مباحًا، ترجو بفعله ثوابَ الله، كأن يكونَ وسيلةً مباحة إلى طاعة أو قُربة، وأُذكِّر بأنَّه بصلاح الباطن يَصلُح الظَّاهر، وبصلاحهما يصلُح العمل، وبصلاحه يكون رضا الله عزَّ وجلَّ وبرضاه - جلَّ وعلا - تحسن الخاتمة - بإذن الله - وبحسن الخاتمة يكون الفوزُ بنعيم الآخرة، بمشيئته سبحانه ومصاحبة الأنبياء والصدِّيقين والشُّهداء، وحَسُن أولئك رفيقًا.
معنى النيَّة:
النيَّة لغةً: النِّيَّة - بكسر النون والتَّشديد - مصدر نوى، والجمع نيَّات: هي القصد، وهو عزْم القلب على الشيءِ، وعقْد القلب على إيجاد الفعل جزمًا.[1]
النَّوى: البُعد، والنوى: النيَّةً، وهي: النيَة، مُخففة، ومعناها: القصد لبلدٍ غير البلد الذي أنت فيه مُقيم، وفلانٌ يَنْوي وجه كذا؛ أي: يقصده من سفر أو عمل، والنَّوى: الوجه الذي يقصده.
والنيَّة: عملُ القلب، وهي تنفع النَّاوي، وإن لم يعمل الأعمال، وأداؤها لا ينفعه دونَها، وعن ابن السكِّيت قال: النيَّة والنَّوى: الوجه الذي تُريده وتَنْويه.[2]
وفي الشَّرع: قصد الطَّاعة، والتَّقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل.
وعرَّفها القاضي البيضاويُّ بأنَّها شرعًا: الإرادة المتوجهة نحو الفعل؛ ابتغاءً لوجه الله تعالى وامتثالاً لحكمه.[3]
فهي عزمٌ قلبيٌّ على عمل فرضيٍّ، أو غيره، أو عزْم القلب على عمل، فرضًا كان أو تطوُّعًا.
وهي أيضًا: الإرادة المتعلَّقة بالفعل في الحال، أو في المستقبل.
وبناء عليه: إنَّ كلَّ فعْل صدر من عاقل متيقِّظٍ مختار لا يخلو عن نيَّة، سواء أكان من قبيل العبادات، أمْ مِن قبيل العادات، وذلك الفعْل هو متعلَّق الأحكام الشرعيَّة التَّكليفيَّة[4]؛ من الإيجاب والتَّحريم، والنَّدب والكراهة والإباحة، فإذا صدر الفعل من غير عاقلٍ متيقِّظ، بأنْ كان مِن مجنون، أو نَاسٍ، أو مخطئ، أو مُكرَه، فإنَّه لاغٍ لا يتعلَّق به حُكمٌ تكليفيٌّ ممَّا ذُكر، لعدم وجود النيَّة والقصد والإرادة فيه، ولا يُعتبر شرعًا، ولا يتعلَّق به طلب ولا تخيير.
وأمَّا إذا كان الفعل من الأفعال العادية؛ كالأكل، والشُّرب، والقيام، والقعود، والبطش، والمشي، والنَّوم، ونحوها، صادرًا مِن العاقل المتيقِّظ بدون نيَّة - فحُكمُه الإباحة، إن لم يقترن بما يوجب حظره أو طلبه، ويكون مُعتَبرًا شرعًا.[5]
خلاصة معنى النيَّة:
فالنيَّة، هي "رادار" القلب المسلم، توجهه إمَّا إلى الخير، وإمَّا إلى الشرِّ، وهي مدار عمل المسلم، ومِعيار ضبط الأعمال الشرعيَّة من عباداتٍ ومعاملات، فإمَّا أن تصحِّح العمل الشرعيَّ، وإمَّا أن تُبطلَه وتلغي آثارَه، وهي سبب الثَّواب الأُخروي على العمل، فإمَّا أن تكون سببًا للثَّواب والظَّفر بجِنان الخُلد، كنية الجهاد، وحبِّ المؤمنين، وصفاء القلْب، وإمَّا أن تكون سببًا للعقاب؛ كالحقد والحسد والبغضاء، أو الرياء والشُّهرة والسُّمعة، فمَن حسُنت نيَّتُه وصلحَت سريرته، حاز الفضل والفوز، والخير في الدنيا والآخرة، ومن ساءت نيَّتُه وفسدت سريرتُه، باءَ بالخُسران والسُّوء، والخذلان في الدنيا والآخرة.[6]
أقسام النيَّة:
يقول ابن عُثيمين رحمه الله: والنيَّة نيَّتان:
الأولى: نيَّة العمل، ويتكلَّم عليها الفقهاء - رحمهم الله - أنَّها هي المصحِّحة للعمل.
الثانية: نيَّة المعمول له، وهذه يتكلَّم عليها أهل التَّوحيد، وأرباب السلوك؛ لأنَّها تتعلَّق بالإخلاص.
مثاله:عند إرادة الإنسان الغُسل ينوي الغُسل، فهذه نيَّة العمل، لكن إذا نوى الغُسل تقرُّبًا إلى الله تعالى وطاعةً له، فهذه نيَّة المعمول له؛ أي: قصد وجهه - سبحانه وتعالى - وهذه الأخيرة هي التي نغفُل عنها كثيرًا، فلا نستحضر نيَّة التَّقرب، فالغالب أنَّنا نفعل العبادة على أنَّنا مُلزمون بها، فننويها لتصحيح العمل، وهذا نقصٌ؛ ولهذا يقول الله تعالى عند ذكر العمل: ﴿ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ [الرعد: 22]، ﴿ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ﴾ [الليل:20]، و﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الحشر: 8].[7]
ويُبيِّن الإمام القَرافي تقسيمًا آخرَ للنيَّة، فيقول: النيَّة قسمان:
1 - فِعليَّه موجودة.
2 - وحُكميَّة معدومة.
فإذا نوى المكلَّف أولَ العبادة، فهذه نيَّةٌ فعليَّة، ثم إذا ذهل عن النيَّة، حكم صاحب الشَّرع بأنَّه ناوٍ ومتقرِّب، فهذه هي النيَّة الحُكميَّة؛ أي: حَكَم الشَّرع لصاحبها ببقاء حُكمها، لا أنَّها موجودة، وكذلك الإخلاص، والإيمان، والكفر، والنِّفاق، والرِّياء، وجميع هذا النَّوع من أحوال القلوب، إذا شُرع فيها، واتَّصف القلب بها، كانت فعليَّة، وإذا ذهل عنها، حَكَم صاحب الشَّرع ببقاء أحكامها، لمَن كان اتَّصف بها قبل ذلك.
وعكسُه، حُكِم له بالكفر والنِّفاق، وجميع مساوئ الأخلاق، وإن كان لا يستحضر منها شيئًا عندَ الموت، ولا يتَّصف بها، بل يوم القيامة الأمر كذلك؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى ﴾ [طه: 74]، مع أنَّ أحدًا لا يكون يومَ القيامة مجرمًا، ولا كافرًا ولا عاصيًا، بل معناه يكون: محكومًا له بالإجرام كما يُحكم لغيره بالإيمان.[8]
النيَّة شرْط أم ركن؟
هذا ممَّا وقع الخلافُ بين الفقهاء فيه؛ فمنهم مَن يرى أنَّها شرْط، ومنهم من يرى أنَّها ركْن، والفرْق بين الشرْط والرْكن: أنَّ الشرْط يكون سابقًا للمشروط، والركْن جزءٌ من أجزائه، وبعض الفقهاء يقول: إنَّ ذِكْرَ النيَّة في أوَّل الوُضوء، أو في أوَّل الفعل يُعتبر شرْطًا، واستصحاب حُكم النيَّة في أثناء الفعل يُعتبر ركنًا، أما جمهور الحنابلة فيقولون: إنَّ ذِكْرَ النيَّة في أوَّل العبادة شرْط، واستصحاب حُكمها - أيضًا - شرْط، وإذا تقرَّر لنا أنَّ النيَّة تسبق الفعل، فإنَّها تكون حينئذٍ شرْطًا، وأمَّا النيَّة المقارنة للفعل، فإنَّها ركنٌ في العبادة.[9]
محل النيَّة:
اتَّفق العلماء على أنَّ القلب محلُّ النيَّة وموضعها، وجعلوا ذلك شرْطًا في النيَّة، قال النووي رحمه الله: "بلا خلاف"، وكذا قال ابن تيمية.[10]
فمحلُّها القلب في كلِّ موضع؛ لأنَّ حقيقتها القصدُ مطلقًا، وقيل: القصد المقارِن للفعل، وذلك عبارةٌ عن فعل القلب.
قال البيضاويُّ: "النيَّة عبارةٌ عن انبعاث القلب نحوَ ما يَراه موافقًا من جلب نفعٍ، أو دفع ضرٍّ، حالاً أو مآلاً، والشَّرع خصَّصه بالإرادة المتوجهة نحوَ الفعل، لابتغاء رضا الله تعالى وامتثال حكمه".[11]
وقال ابن قُدامة: "ومحلُّ النيَّة القلب؛ إذ هي عبارةٌ عن القصد، ومحلُّ القصد القلب".[12]
وسبب كونها في القلب في جميع العبادات: أنَّ النيَّة الإخلاص، ولا يكون الإخلاصُ إلاَّ بالقلب، أو لأنَّ حقيقتها القصد مطلقًا.[13]
والحاصل أنَّ في الكلام عن محلِّ النيَّة أَصلين:
الأصل الأوَّل: أنَّه لا يكفي التَّّلفُّظُ باللِّسان دونَ القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة: 5]، والإخلاص ليس في اللِّسان، وإنَّما هو عمل القلب، وهو محضُ النيَّة، وذلك بأنْْ يقصدَ بعمله اللهَ وحدَه، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إِنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نوى)).[14]
ويتفرَّع عن هذا الأصل: أنَّه لو اختلف اللِّسان والقلب، فالعبرة بما في القلب، فلو نوى بقلبه الوضوءَ، وبلسانه التَبرُّدَ، صحَّ الوضوء، ولو نوى عكسه، لا يصحُّ، وكذا لو نوى بقلبه الظُّهر، وبلسانه العَصر، أو بقلبه الحجَّ، وبلسانه العُمرةَ، أو عكسه، صحَّ له ما في القلب.
الأصل الثَّاني: أنَّه لا يُشترط مع نية القلب التَّلفظُ في جميع العبادات، فلا مُعتبر باللِّسان.[15]
والخلاصة: أنَّ محلَّ النيَّة - باتِّفاق الفقهاء، وفي كلِّ موضعٍ -: القلب وجوبًا، ولا تكفي باللِّسان قطعًا، ولا يُشترط التَّلفظُ بها قطعًا، لكن يُسنُّ عند الجمهور غيرِ المالكيَّة التَّلفظُ بها لمساعدة القلب على استحضارها، ليكونَ النَّطق عونًا على التَّذكُّر، والأَولى عند المالكيَّة: ترْك التَّلفُّظ بها؛ لأنَّه لم يُنقل عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه التلفُّظُ بالنيَّة، وكذا لم يُنقل عن الأئمَّة الأربعة، فإن نوى بقلبه وتلفَّظ بلسانه، أتى عند الجمهور بالأكمل، وإن تلفَّظ بلسانه ولم ينوِ بقلبه، لم يُجزئه، وإن نوى بقلبه ولم يتلفَّظ بلسانه، أجزأه. [16]
حُكم النِّيَّة إذا انفردت عن الفِعل، والفِعل إذا انفرد عن النِّيَّة:
أوَّلاً: انفراد النيَّة عن الفِعل: إذا انفردتِ النيَّة، بحيث لا تقترن بعملٍ ظاهر، لا تترتب عليها أحكامٌ شرعيَّة، فمثلاً: لو طلَّق رجل زوجتَه في قلبه، أو باع داره، أو مزرعته، ولم ينطقْ بلسانه، فإنَّه لا يترتب على ذلك الفعل الباطني حكمٌ؛ لأنَّ الأحكام الشرعيَّة تتعلَّق بالظَّواهر.
ثانيًا: انفراد الفِعل عن النيَّة[17]: إذا انفردتِ الأفعال عن النيَّة.
فهنا يُفرَّق بينَ أمرين:
الأوَّل: إذا كانتِ الألفاظ صريحة، فإنَّها لا تحتاج إلى نيَّة؛ بل يكفي حصولُ الفعل لترتُّب الحُكم عليه؛ لأنَّ الألفاظ الصَّريحة لا تحتاج إلى نية لاشتمالها عليها.
ومثال ذلك: أن يقول شخصٌ لآخَرَ: بِعتُك هذه الدَّار، أو: أوصيتُ لك بهذه المزرعة، أو يكون قد أقرَّ بشيء، أو وكَّل، أو أودع، أو قذف، أو سرق شيئًا، فكلُّ هذه الأمور لا تتوقف على النيَّة؛ بل يكون فِعلها كافيًا لترتُّب الحُكم عليها.
الأمر الثَّاني: ما إذا كانتِ الألفاظ غيرَ صريحة، فيختلف حُكم اللَّفظ الواحد باختلاف مقصد الفاعل، فالبيع أو الشِّراء إذا استعمل بصيغة المضارع، كقول البائع أو المشتري: أبيع وأشتري، فإنْ قصد به الحال، يَنعقد به البَيع، وإن قصد به الاستقبال، لا يَنعقد[18]، وعلى هذا؛ يختلف الحُكم باختلاف قَصْد الفاعل؛ إذْ غير الصَّريح لا يُعطى حُكمه إلاَّ بالقصد، فلا ينفصل الفعل عن النيَّة فيه.[19]
أدلة وجوب النيَّة:
وأدلةُ إيجاب النيَّة كثيرةٌ، منها قول الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ [البينة: 5]، قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم: النيَّة، ومنها الحديث المتَّفق على صِحته من رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو كما قال النَّووي: حديثٌ عظيم، أحدُ الأحاديث التي عليها مدار الإسلام؛ بل هو أعظمها، ونصُّه: قال عمر: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امْرئٍ ما نوى، فَمَنْ كانتْ هِجْرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ، فَهِجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ، ومَنْ كانتْ هِجْرتُهُ لدُنْيا يُصِيبُها، أوِ امْرأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرتُهُ إلى ما هاجرَ إِلَيْهِ))[20]، والمراد بالأعمال: أعمال الطَّاعات والأعمال الشَّرعيَّة، دونَ أعمال المباحات.[21]
أهمِّيَّة النيَّة:
إنَّ جميع الأعمال المأمور بها هي مفتقرةٌ إلى نيةٍ تَصحبها، مِن وجوب القصد إلى الله تعالى والإخلاص له بالعمل، فمتى قصد المرءُ إلى إبطالِ تلك النيَّة فقد بَطَل ذلك العمل؛ إذ لم يأتِ به كما أُمر مِن إصْحَاب النيَّة إيَّاه.[22]
وقال ابن القيم رحمه الله: فإنَّ القُرباتِ كلَّها مبناها على النِّيَّات، ولا يكون الفعل عبادةً إلاَّ بالنيَّة والقصد، ولهذا لو وقع في الماء ولم يَنوِ الغُسل، أو دخل الحمام للتَّنظيف، أو سبَح للتَّبرُّد - لم يكن غُسله قُربةً ولا عبادةً بالاتِّفاق، فإنَّه لم ينوِ العبادة، فلم تَحصل له، وإنَّما لامرئٍ ما نوى، ولو أمسكَ عن المُفطِّرات عادةً واشتغالاً، ولم ينوِ القُربة، لم يكن صائمًا، ولو دار حولَ البيت يلتمس شيئًا سقط منه، لم يكن طائفًا، ولو أعطى الفقيرَ هِبةً أو هدية ولم ينوِ الزَّكاة، لم يُحسب زكاة، ولو جلس في المسجد ولم ينوِ الاعتكاف، لم يحصل له، وهذا، كما أنَّه ثابتٌ في الإجْزَاء والامتثال، فهو ثابت في الثَّواب والعِقاب.
فالنيَّة رُوح العمل ولُبُّه وقوامه، لا يصحُّ إلاَّ بها، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد قال كلمتين كفَتَا وشَفَتَا، وتحتهما كنوزُ العِلم، وهما قوله: ((إِنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نوى))، فبيَّن في الجملةِ الأُولى أنَّ العمل لا يقع إلاَّ بالنيَّة، ولهذا لا يكون عملٌ إلاَّ بنيَّة، ثم بيَّن في الجملة الثَّانية أنَّ العامل ليس له مِن عمله إلاَّ ما نواه، وهذا يَعمُّ العباداتِ والمعاملات، والأيمانَ والنُّذور، وسائرَ العقود والأفعال.[23]
فالعبادات - من حيثُ الجملةُ - لا تصحُّ ولا تُجزئ إلاَّ مقترنةً بالنيَّة، ولا ثوابَ عليها إلاَّ على أساس النيَّة.[24]
وإنَّما يتمُّ ذلك بأمرين:
أحدهما: أن يكونَ العمل في ظاهره على موافقةِ السُّنَّة، وهذا هو الذي تضمَّنه حديث عائشة - رضي الله عنها -: ((مَنْ أحدثَ في أمْرِنا هذا ما ليسَ مِنْهُ فهو رَدٌّ))[25]
والثَّاني: أن يكون العملُ في باطنه يُقصد به وجهُ الله عزَّ وجلَّ كما تضمَّنه حديث عمر: ((الأعمال بالنِّيَّات)).
وقال الفضيل في قوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [الملك: 2]، قال: أَخلصُه وأَصوبُه.
وقال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا، لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا، لم يُقبل، حتَّى يكون خالصًا صوابًا، قال: والخالص إذا كان لله عزَّ وجلَّ والصَّواب إذا كان على السُّنَّة.[26]
مقصود النيَّة:
وبعدَ بيان أهمِّيَّة النيَّة، نذكر مقاصدَها، وغاياتِها التي جعلها لها الشَّارع الحكيم سبحانه فقال العلماء:
وشُرعَت النيَّة من أجْل:
1- التَّمييز بين العادة والعبادة، والعادة لا أَجرَ فيها، وفي العبادة الأجر.[27]
وله أمثلة:
أحدها: الغُسل فإنَّه مردَّد بين ما يُفعل قربة إلى الله؛ كالغُسل عن الأحداث، وغيرها يُفعل لأغراض العِبادِ مِن التبرُّد، والتَّنظيف، والاستحمام، والمداواة، وإزالة الأوضار[28] والأقذار، فلمَّا تردَّد بينَ هذه المقاصد، وجب تمييز ما يُفعل لربِّ الأرباب، عمَّا يفعل لأغراض العباد.
المثال الثَّاني: دفع الأموال مردَّد بينَ أن يُفعل هِبَة، أو هدية، أو وديعة، وبينَ أن يُفعل قُربَةً إلى الله؛ كالزَّكاة، والصَّدقات، والكفَّارات، فلمَّا تردَّد بين هذه الأغراض، وجب أن تميز النيَّة لما يُفعل لله، عمَّا يفعل لغير الله.
المثال الثَّالث: الإمساك عن المفطِّرات، تارةً يُفعل لغرض الإمساك عن المفطرات، وتارةً يفعل قُربةً إلى ربِّ الأَرَضين والسَّموات، فوجب فيه النيَّة، لتصرُّفِه عن أغراض العباد إلى التقرُّب إلى المعبود.
المثال الرابع: حضور المساجد، قد يكون للصَّلوات أو الرَّاحات، أو للقُربة بالحضور فيها؛ زيارةً للربِّ - سبحانه وتعالى - لمَّا تردَّد بين هذه الجهات، وَجب أن يُميَّز الحضور في المسجد زيارةً لربِّ الأرباب، عمَّا يُفعل لغير ذلك من الأغراض. [29]
2 - كما شُرعتِ النيَّة للتَّمييز بينَ العبادات ذاتها، فالمرء قد يصوم ممتنعًا عن الطَّعام والشَّراب والبِعال[30]، لكن قد ينوي صومًا واجبًا، أو ينويه تطوُّعًا، أو شكرًا، أو غير ذلك، فالفعل واحد، وتتنوع الصِّفة، والنيَّة هي المميزة بين الأفعال المتشابهة. [31]
وأمَّا مثال تمييز رُتب العبادات: فكالصَّلاة، تنقسم إلى فرضٍ ونفل، والنَّفل ينقسم إلى راتب وغير راتب، والفرض ينقسم إلى منذور وغير منذور، وغير المنذور ينقسم إلى ظُهر وعَصر ومغرب وعِشاء وصُبح، وإلى قضاء وأداء، فيجب في النَّفل أن يُميز الرَّاتب عن غيره بالنيَّة، وكذلك تميز صلاة الاستسقاء عن صلاة العيد.
وكذلك في الفرض تميز الظُّهر عن العصر، والمنذورة عن المفروضة بأصل الشَّرع، وكذلك في العبادة الماليَّة تميز الصَّدقة الواجبة عن النَّافلة، والزَّكاة عن المنذورة والنَّافلة، وكذلك يميز صوم النَّذر عن صوم النَّفل، وصوم الكفَّارة عنهما، وصوم رمضان عمَّا سواه، ويُميز الحج عن العمرة تميزًا لبعض رتب العبادات عن بعض.
ولا يكفيه مجرَّد نيةِ القُربة دونَ تعيين الرُّتبة، فإن أطلق نية الصَّوم والصَّلاة حمل على أقلِّها، لأنَّه لم ينو التقرُّب بما زاد على رتبتها، فإذا نوى الرَّاتبة لم يكفه ذلك حتَّى يُعينها بتعين الصلاة التي شرعت لها، بأن يُضيفَها إلى الصَّلاة التابعة لها، وإذا نوى العيد، أو الكسوف، أو الاستسقاء، فلا بدَّ مِن إضافتها إلى أسبابها لتَّمييز رُتبتها عن رُتب الرَّواتب، وإن نوى الفرائضَ فلا بدَّ مِن تمييزها بالإضافة إلى أوقاتها وأسبابها، وليستِ الأوقات والأسباب قُربة، ولا صفة للقُربة، وإنَّما تُذكر في النيَّة لتبيين المرتبة، وإن نوى الكفَّارة، ولم يذكر سببها أجزأتْه؛ لأنَّ رتبتها متساوية، لا تفاوت فيها، إذِ العتق في كفَّارة القتل مثل العتق في كفَّارة الظِّهار، وكفَّارة الجِماع في رمضان.[32]
3 - وبالنيَّة يَتميَّز ما يقع من المرء نفسِه عن نفسه، وما يقع مِن نفسه عن غيرِه توكيلاً، أو تطوُّعًا يُهديه لغيره، فالكلُّ يحجُّ، لكن هذا يحج عن نفسه، والآخَرُ وكيلاً عن غيره، والمفرِّق النيَّة.[33]
كيفية النيَّة:
قال الماورديُّ الشَّافعيُّ: في كيفية النيَّة في الصَّلاة، فتحتاج أن تتضمَّن ثلاثة أشياء: فعل الصَّلاة، ووجوبها وتعيينها، لأنَّ العباداتِ كلَّها على ثلاثة أضرب:
ضرب يفتقر إلى نية الفِعل لا غَير.
وضرب يفتقر إلى نية الفعل والوجوب لا غَير.
وضرب يفتقر إلى نية الفعل والوجوب والتَّعيين.
فأمَّا الذي يفتقر إلى نية الفِعل دونَ الوجوب والتَّعيين فهو الحجَّ، والعمرة، والطَّهارة، فإذا نوى فعل الحج، أو فعل العمرة، أو الطهارة للصَّلاة - أجزأ، وإن لم ينوِ الوجوب والتَّعيين، لأنَّه لو عين ذلك على النَّفل، وكان عليه فرض، لا يعقد ذلك بالفرض دونَ النفل.
وأمَّا الذي يفتقر إلى نية الفِعل والوجوب دونَ التَّعيين، فهو الزَّكاة، والكفَّارة، يُجزئه أن ينوي فيما يُخرجه أنَّه زكاة، وإن لم يُعين، وفي العتق أنَّه عن كفَّارة، وإن لم يُعين، وأمَّا الذي يفتقر إلى نية الفعل والوجوب والتَّعيين وهو الصَّلاة، والصِّيام، فينوي صلاة ظهر يوم.
لكنِ اختلف أصحابُنا: هل يكون تعيينها يُغني عن نية الوجوب، حتَّى إذا نوى صلاة الظهر أغنى عن أن ينوي أنَّها فرض؟
وقال أبو إسحاق المروزي: لا تُغني نِيَّتُه أنَّها ظُهْرٌ[34] عن أن ينوي أنَّها فريضة، ولا في صوم رمضان عن أن ينوي أنَّها فرض، قال: لأنَّ الصبيَّ قد يُصلِّي الظُّهر، ويصوم رمضان، ولا يكون فرضًا، فعلى هذا يحتاج أن ينوي صلاة ظهر يومه الفريضة، وقال أبو عليِّ بن أبي هُريرَةَ: إذا نوى أنَّها ظُهر أغنى عن أن ينوي أنَّها فرض؛ لأنَّ الظهر لا يكون إلاَّ فرضًا، وليس إذا سقط فرضها عن غير المكلَّف خرجت من أن تكون فرضًا، لأنَّ سائر الفروض هكذا تكون، فعلى هذا إنْ نوى ظُهر يومِه أجزأه، فأمَّا إن نوى صلاة الظُّهر لم ينوِها ليومه أو وقته، فإن كانت عليه ظهر فائتة لم تجزه حتَّى ينوي بها ظهر يومه لتمتاز عن الفائتة، وإن لم يكنْ له ظهر فائتة أجزأه، فأمَّا الصَّلوات الفوائت فلا يلزمه تعيين النيَّة لأيَّامها، وإنَّما ينوي صلاة الظُّهر الفائتة، فأمَّا أن ينويَ مِن يوم كذا في شهر كذا فلا يَلزمه.[35]
شروط النيَّة:
من الشروط التي عدَّها الفقهاءُ للنيَّة:
1. أهلية النَّاوي: فيشترط لصحة النيَّة أن يكون مَن صدرت عنه مِن الذين تصحُّ منهم العبادة، ويعتبر الشخص كذلك إن كان مسلمًا، عاقلاً، مميزًا.[36]
2 - الجزم والتَّنجيز: لا تكون الإرادة المتَّجهة إلى الفعل لإحرازه أو تحقيقه نيةً ما لم تكن جازمة، لا تردُّدَ فيها، فإن كان القاصد متردِّدًا في الفعل، أو علَّق الفعل أو الاستمرار فيه على حصولِ أمرٍ ما، فإنَّ الإرادة هنا لم تصلْ إلى درجة أن تكون نية.[37]
3 - استصحاب حُكم النيَّة: الإتيان بالنيَّة في أوَّل العبادة شرطٌ لا تصحُّ العبادة بدونه؛ ولكن هل يجب على العابد أن يبقى ذاكرًا لهذه النيَّة، غير غافل عنها طيلةَ العبادة؟
ذكر العلماء أنَّ المطلوب من العابد: "استصحاب حكم النيَّة دونَ حقيقتها"، ويُريدون بالاستصحاب هنا أنَّ الشَّارع حكم بعدم بطلانها حالَ ذهول العابد عنها، وعزوبها عنه، وكلُّ ما يلزم العابدَ في هذه الحال ألاَّ يأتي بما يُنافيها ويُبطلها؛ كأنْ ينويَ قطعها أو يرفضَها.[38]
4. عدم التَّشريك في النيَّة: أي: أن يَقصدَ بالعمل الواحد قُربتين؛ كأن ينويَ بالصَّلاة الرُّباعيَّة قضاء فائتة، وفريضة الوقت الحاضر. [39]
5. قصد العبادة دفعةً واحدةً: قال العِزُّ بن عبدالسلام: والطَّاعات أقسام:
أحدهما: طاعة متَّحدة، وهي التي يَفسد أوَّلها بفساد آخِرِها؛ كالصَّلاة والصِّيام، فلا يجوز تفريق النيَّة على أبعاضها.
القسم الثَّاني: طاعة متعدِّدة؛ كالزَّكاة، والصَّدقات، وقراءةِ القرآن، فهذا يجوز أن يُفرد أبعاضه بالنيَّة، وأن يجمعه في نيَّةٍ واحدة.
القسم الثَّالث: ما اختلف في اتِّحاده؛ كالوُضوء والغُسل، فمَن رآهما متحدين، منع من تفريق النيَّة على أجزائهما، ومَن رآهما متعددين، جوَّز تفريق النيَّة على أبعاضها. [40]
6. مقارنة النيَّة للمنوي: وهذا الشَّرط يشترطه الذين يقولون بوجوبِ الإتيان بالنيَّة عندَ أوَّل أفعال العبادة؛ كالمالكيَّة والشَّافعيَّة، أمَّا الذين يجوِّزون تقديم النيَّة على العبادة، فلا يشترطون هذا الشَّرط.[41]
7. العلم بصفات المنوي: فأنت إذا أردت أن تنويَ شيئًا فلا بدَّ أن تكون عالمًا به، وما لم تكن عالمًا به لا يصحُّ أن تنويه.[42]
توقيت النيَّة:
الأصل العام: أنَّ وقت النيَّة أوَّل العبادة البدنيَّة إلاَّ في حالات.[43]
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: والنيَّة لها محلاَّن:
الأوَّل: تكون فيه سُنَّة، وهو قبل المسنون، إن وُجِد قبل واجب.
الثاني: تكون فيه واجبة، عند أول الواجبات، فإنه لا يُمكن أن يقرب الإنسان الماء؛ ثم يَشْرع في الوُضوء من غير نية؛ ولهذا لا بدَّ أن تكون النيَّة سابقة، حتَّى على أوَّل المسنونات؛ اللهمَّ إلاَّ إن كان إنَّما يَغسل يديه لتنظيفهما مِن طعام ونحوه؛ ثم نوى الوضوءَ بعد غسل اليدين فهذا ربما يقال: إنَّه ابتدأ الطَّهارة بلا نية، وحينئذ فعليه أن يأتي بالنيَّة عند التَّسمية.[44]
خاتمة:
وخير ما نختم به كلامُ نبي الهدى صلَّى الله عليه وسلَّم من حديث أبي كَبْشَةَ الأنماريِّ: أنَّه سمع رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((... إنَّما الدُّنيا لأرْبعَةِ نَفَرٍ: عبدٍ رَزقَهُ اللَّهُ مالاً وَعِلْمًا، فهو يَتَّقِي فيه رَبَّهُ، وَيَصِلُ فيه رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فيه حَقًّا، فَهذا بِأَفْضلِ المَنازِلِ، وعَبْدٍ رَزقَهُ اللَّهُ عِلْمًا، ولمْ يَرْزُقْهُ مالاً، فهو صادِقُ النيَّة، يقولُ: لو أَنَّ لي مالاً لَعَمِلْتُ بِعَملِ فُلانٍ، فهو بِنِيَّتِهِ، فأَجْرُهما سواءٌ، وعَبْدٍ رَزقَهُ اللَّهُ مالاً ولمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فهو يَخْبِطُ في مالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لا يَتَّقِي فيه رَبَّه، ولا يَصِلُ فيه رَحِمَهُ، ولا يَعْلَمُ لِلَّهِ فيه حَقًّا، فهذا بِأَخْبثِ المنازِلِ، وعَبْدٍ لم يَرْزُقْهُ اللَّهُ مالاً ولا عِلْمًا، فهو يقولُ: لو أَنَّ لي مالاً لَعَمِلْتُ فيه بِعَملِ فُلانٍ، فهو بِنِيَّتِهِ؛ فَوِزْرُهما سواءٌ))؛ [الترمذي، الزهد (2325)، وصحَّحه الألبانيُّ].
وعن أَبي هُريرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إِِنَّما يُبْعَثُ النَّاسُ على نِيَّاتِهم))؛ [ابن ماجه، الزهد (4219)، وصحَّحه الألباني].
قال المقدسي: إنَّما النيَّة انبعاث القلب، وتجري مجرى الفتوح من الله تعالى وليست النيَّة داخلةً تحت الاختيار، فقد تَتَيسَّر في بعض الأوقات، وقد تتعذَّر، وإنما تتيسَّر له في الغالب لمَن قلبُه يميل إلى الدِّين دون الدنيا.
والنَّاس في النيات على أقسام: منهم مَن يكون عمله للطَّاعة إجابةً لباعث الخوف.
ومنهم مَن يكون عمله إجابةً لباعث الرَّجاء.
وثمةَ مقامٌ أرفعُ مِن هذين، وهو أن يعمل الطَّاعة على نية جلال الله تعالى لاستحقاقه الطَّاعة والعبودية، وهذه لا تتيسَّر لراغب في الدنيا، وهى أعزُّ النيَّات وأعلاها، وقليلٌ مَن يفهمها، فضلاً عن أن يتعاطاها، وصاحب هذا المقام لا يجاوز ذِكْر الله تعالى والفِكْر في جلاله حبًّا له.[45]
ويقول المقدسيُّ: فالعمل بغير نيَّة عناء، والنيَّة بغير إخلاص رِياء، والإخلاص من غير تحقيق هَباء؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23].
وليتَ شِعرى، كيف تَصلح نيَّة مَن لا يعرف حقيقةَ النيَّة؟!
أوكيف يُخلص مَن صحَّح النيَّة إذا لم يعرف حقيقةَ الإخلاص؟!
أوكيف يُطالب المخلصُ نفسَه بالصَّدق إذا لم يتحقَّقْ معناه؟!
فالوظيفة الأُولى على كلِّ عبد أراد طاعةَ الله تعالى أن يَعلم النيَّة أوَّلاً، لتحصل له المعرفة، ثم يُصحِّحها بالعمل بعد فَهْم حقيقة الصِّدق والإخلاص اللَّذين هما وسيلتانِ للعبد إلى النجاة.[46]
فاللهمَّ أَصلحْ نيَّاتِنا، وانفعنا بذكْرها عندَ كلِّ عمل من أعمالنا، وارزقْنا الإخلاص في العمل، والسَّداد في الرأي، وحسنَ اتِّباع نبيِّ الحق صلَّى الله عليه وسلَّم اجعل اللهمَّ نيَّاتِنا الصَّالحةَ سبيلاً لمَا يُرضيك مِن الأعمال، الظَّاهرة والباطنة، وأَصلحْ قلوبنا، وأعنَّا على نفوسِنا الأمَّارة بالسُّوء، ونعوذ بكَ مِن شهواتِنا، ومِن فتن الدنيا، ومِن كلِّ ما يَصرفنا عن صراطك المستقيم، آمين.

اكتب تعليق

أحدث أقدم