رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يتحدث عن الكرامة



بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أن الإسلام اهتم بتعظيم خصوصية الفرد والمحافظة على عِرضِه من نوازع الشك والافتراء والظن السيئ؛ لِمَا يعلم أن في الحفاظ على الخصوصية الفردية وقايةً للمجتمع من الإصابة بالأمراض الخطيرة التي تعمل على خلخلته وتفكيكه إلى عناصر غير مترابطة ولا متماسكة، فأغلق الباب في وجه كل من تسول له نفسه أن يتلاعب بقيمة الأفراد وأعراضهم وذواتهم، فحرَّم الغيبة والنميمة والاتهام الكاذب والظن السيئ وقذف المحصنات والاتهام بممارسة الفحشاء إلا بشروط بالغة القسوة تكاد تكون مستحيلة الوقوع؛ حيث اشترط في الأخيرة شهود أربعة شهداء على الوقعة نظرًا لخطورة الاتهام وأثره الخطير، وليس الاتهام فحسب هو الأخطر، وإنما الأخطر منه شيوع هذه الفاحشة في المجتمع واعتقاد أنها تقع في بلد ما مِنْ شخص ما.
وحفظ الأعراض باب واسع من أبواب الفقه والشريعة الإسلامية، تتجلى فيه عظمة هذا الدين؛ حيث تتعانق فيه التشريعات الدينية مع الحدود البدنية في انسجام منقطع النظير، فتأتي العقوبة الدنيوية مكملة للنهي التشريعي ومراعية وجود نفوس قد لا ترعوي بالخطاب التشريعي وحده: "فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وهكذا الحال في الجرائم الخطيرة التي تؤثر حتمًا في الطبيعة الإنسانية وتشوِّه الصورة المجتمعية الفائقة الجمال للمجتمع الإسلامي النظيف، فإن لم يرتدع المجرمون بالخطاب التشريعي وحده والوعيد بالعقاب الأليم في الآخرة -وهذا وارد جدًّا-، أتت العقوبة البدنية مكملة ورادعة لمن تسوِّل له نفسه أن يرتكب مثل هذه النوعية من الجرائم، حتى لا يكون له ولأمثاله أثر واضح في تشويه هذا المجتمع الإسلامي النقي الطاهر.
وفي المقابل حمت الشريعة ذلك الإنسان وأحاطته بسياج من الاحترام والتقدير لعدم المساس به أو بكرامته وحريته دون وجود أدلة قاطعة وبيِّنة على ارتكابه للجريمة، فليس من حق السلطة أن تطبق عليه عقوبة ما أو تودعه السجن أو تكبل حريته إلا بدليل قاطع، ولا يكفي الدليل الظني في ذلك لتنتهك كرامته وتستباح بيضته، بل ينبغي أن يكون الدليل قاطعًا لا مرية فيه ولا جدال، أما إذا تطرق إليه احتمال ولو ضعيف سقط الاتهام في الحال أو ظل معلقًا حتى ورود الدليل القاطع؛ قال -صلى الله عليه وسلم- كما في مستدرك الحاكم وسنن الدارقطني وغيرهما: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم لمسلم مخرجًا فخلوا سبيله؛ فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ بالعقوبة)).
وإذا ثبتت إدانة الفاعل بالجريمة ووجود الأدلة القاطعة على ارتكابه لها وتلبسه بها وتطبيق العقوبة أو الحد الشرعي عليه، فإنه يظل محميَّ العرض، مصون الجانب، لا تجوز غيبته، ولا انتهاك حرمته، ولا الإساءة إليه؛ فالحدود كفارات، وتطبيق العقوبة على الجاني كفيل بمحو أثر ما ارتكبه مما استوجب هذه العقوبة؛ فعن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مجلسٍ، فقال: "تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ"[رواه البخاري ومسلم].
كما جاء في حديث الأسلمي الذي شهد على نفسه بالزنا فرجمه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ. فَسَكَتَ عَنْهُمَا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: ((أَيْنَ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟!)) فَقَالاَ: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((انْزِلاَ فَكُلاَ مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ)) فَقَالاَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟! قَالَ: ((فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا)).
إن النفس البشرية أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، وقد تسوِّل للإنسان نفسه أن يرتكب محظورًا -مهما كان صالحًا تقيًّا نقيًّا-، وهذه طبيعة فطرية في الإنسان، وعدم مراعاة حدوث ذلك نقص تشريعي خطير؛ لذا كان الأصل براءة الذمة من ارتكاب الجرم وإحسان الظن بالآخرين، إلا في حالة ثبوت الدليل الشرعي القاطع، وإلا فتظل براءة الذمة على حالها، ويظل احترام الشخص قائمًا ما لم تلوَّث صحيفته بما يشينها، وفي حالة ثبات التهمة عليه وإدانته فإنه تطبق عليه العقوبة المنصوص عليها في الشريعة مع مراعاة كافة الحقوق والواجبات.
• بعض الظن إثم:
يقول -تعالى- في سورة الحجرات التي تنظم كثيرًا من العلاقات في المجتمع الإسلامي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: 12].
وهنا يسدُّ الله -تعالى- الباب على المسيئين بمجرد أن يكون هاجسًا في النفس البشرية أو مجرد ظنون لا تقوم على أقدام، وذلك بدفعه وطرده من العقل بمسلَّمة عقلية وشرعية هي أن بعض هذا الظن إثم ووبال على صاحبه وعلى المجتمع، فإن كان كذلك فعلى الجماعة المسلمة أن لا تدع نفسها نهبًا للظن السيئ والشكوك والشبهات حول الآخرين، فهي لا تدري أي الظنون تكون إثمًا.
وبذلك يتطهر الضمير من لوثات الظن السيئ والإثم المترتب عليه، ويدع القرآن بهذه التشريعات القلبَ نقيًا بريئًا من الهواجس والشكوك، لا يُكِنُّ لإخوانه ومشاركيه في مجتمعه إلا المودة والمحبة والبراءة التي لا تلوثها الرِّيَب والشكوك.
"ولا يقف الأمر في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب، بل إن هذا النص يقيم مبدأً في التعامل، وسياجًا حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف، فلا يؤخذون بظُنَّةٍ، ولا يحاكَمون بريبة؛ ولا يصبح الظن أساسًا لمحاكمتهم، بل لا يصلح أن يكون أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم، فيظل الناس أبرياء، مصونة حقوقهم وحرياتهم، حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه، ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم!!
فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص؟! وأين أقصى ما تتعاجب به الديمقراطيات في العالم من حرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا، وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلاً، وحققه في واقع الحياة، بعد أن حققه في واقع الضمير؟! ".
• التجسس .. هتكٌ لجدار الثقة!!
(وَلا تَجَسَّسُوا) والتجسس هو التحرك التالي لإساءة الظن، فمن أساء الظن فقد هتك جدار الثقة الذي بينه وبين من أساء به ظنه، فيتحسس مواضع عوراته وسوءاته، ويتجسس ليقف عليها دون أن يدري به صاحبه، قال الحسن: "من وجد دون أخيه سترًا فلا يكشفه، لا تجسس أخاك فقد نهيت أن تجسسه...".
وهذا الداء ما أن يتفشى في مجتمع إلا ويصير مرتعًا للعداوات والخصومات والتعدي على الحريات والخصوصيات، والأمر في المجتمع الإسلامي على الضد من ذلك، فللناس حرياتهم وخصوصياتهم التي لا يجوز أن تُنتهك بأي شكل من الأشكال، والتجسس يجعلها مشاعًا لكل متعدٍّ ومسيء، فالناس في المجتمع الإسلامي آمنون على أنفسهم وعلى حرماتهم وعلى بيوتهم وعلى نسائهم وعلى عوراتهم، ولا يوجد ما يخرق هذا السياج الحامي من التعدي على الإطلاق، وما من مبرر للأفراد لانتهاك هذه الخصوصية على الإطلاق، فـ"كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه"، حتى إنه في حالة مراقبة وتعقب المتهمين وتتبع الجرائم لا يصح فيها التجسس على الخصوصيات إلا بدليل قاطع كما تقدم، مع تأكيد أن يكون ذلك مفيدًا في سير التحقيقات، على أن تكون تلك الضرورة بقدرها، فلا اطلاع على العورات ولا كشف لما ستره الله - تعالى -من شؤون بني آدم الخاصة، فالناس يعاملون على ظواهرهم، ولا يبيح ارتكابهم لجرم ما أن تكشف عوراتهم، عن زيد بن وهب قال: أُتي ابن مسعود فقيل له: هَذَا فُلاَنٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا!! فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ، وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ".
وهناك لمحة أخرى من لمحات الحكمة النبوية تتجلى فيها حكمة التشريع وأثره في نظافة المجتمع ووأد أمراضه في مهدها، حيث يعد التجسس على العورات وكشف ستر العصاة أحد نوازع الإفساد؛ حيث إن العاصي مادام مستورًا فإن أثر معصيته يظل عليه وحده، يكتوي هو بنارها دون أن يشاركه سواه، فلعله يتوب يومًا بما يعاني منه من تعب نفسي وقلبي، أما إذا انكشف ستره وذاع أمره فإنه لن يردعه رادع عن المجاهرة بها وإفشائها في المجتمع، وحينها إما يفسد نفسه ومن حوله، وكأنه يصيح بأعلى صوته: عليَّ وعلى أعدائي، أو يعرض نفسه للعقاب أو الحد، يقول -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ)).
وبهذا لم يعد النظام الإسلامي مجرد حافظ للعورات الشخصية ومقرر للحريات ومهذب للضمير الإنساني فحسب، وإنما صنع بذلك سياجًا حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم بما يضمن سلامة المجتمع باعتباره كلاًّ لا يتجزأ، في نظام متكامل متوازن بين حقوق الأفراد وواجباتهم وما يصلح مجتمعهم.
• الغيبة توحُّش مجتمعي:
وجانب آخر من جوانب حفظ أعراض المسلمين في المجتمع يبرزه النهي عن ذكر الغائبين بما يكرهون، سواء بالسب والشتم، أم الاستهزاء والسخرية، أم الإساءة والانتقاص بأي شكل كان، وهذا أدب إسلامي عالٍ، وعلامة من علامات قوة وتحضر المجتمع المسلم، فحتى أصحاب الأفكار الهدامة والمناهج المنحرفة، ينبغي التحذير من أفكارهم ومناقشة مناهجهم بعيدًا عن ذواتهم الشخصية، إلا إذا كانت سلوكياتهم مثار اقتداء للمنخدعين بهم وبما يروجون له من معتقدات باطلة، فحينها لا كرامة لهم ولا حرمة.
فالمغتاب إنسان متوحش، بل أدنى منزلةً من الإنسان، آكل للحوم البشر الميتة من بني جنسه، يتوافق مع الحيوانات المنحطة التي تنزل على الجيف المنتنة فتنهشها، غير عابئة بتغير ريحها ونتن لحمها وتغيره، يذكِّر مشهده بمشهد الضباع الجائعة التي لا تكترث لحياة ضحيتها أو موتها، المهم أن تجد ما تأكله، طيبًا كان أم خبيثًا: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).
إن شيوع الغيبة من شأنه أن يشغل الناس بقضايا تافهة لا تزيد المجتمع إلا سطحية وتفاهة؛ إذ ينشغل المجتمع بقضايا ثانوية تافهة عن القضايا الجوهرية التي ينبغي أن يُشغل بها وتكون في بؤرة اهتماماته، فالانشغال بالغير والحديث عنهم وتتبع عيوبهم وعوراتهم سيحرك دفة الاهتمام والانتباه عن فساد القائمين على المجتمع مثلاً، وعن عيوب النفس ومعالجة ما بها من خلل، وعن مشكلات المجتمع الكبرى، وهو أمر خطير يترتب عليه نمو هذه المشكلات والعيوب والأمراض وتجذُّرها واستعصاؤها على الحل، وبذلك يغرق المجتمع في طوفان المشكلات بغرق أبنائه في عيوب بعضهم وانشغالهم بها وأكلهم من لحوم الآخرين وتغاضيهم عن عيوب أنفسهم.
وبهذه الطريقة المتحضرة النقية تعالج الشريعة كثيرًا من مشكلات المجتمع، وتقوِّي أواصر المحبة والترابط بين أبنائه، وتربيهم على الاحترام المتبادل للأعراض والعورات، وتعلي من قيمة الفرد في المجتمع وتحيط حقوقه بسياج عالٍ من التشريعات التي تمتعه بالحرية والكرامة، والتي تتيح له حرية الحركة والإبداع والإنتاج في المجتمع، والتي تكفل أيضًا سلامة المجتمع من الأمراض التي تهدد كيانه وتفت في عضده.
هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

اكتب تعليق

أحدث أقدم