رئيس اتحاد الوطن العربى الدولى يؤكد أن الدعاء أعظم عبادة على الإطلاق



بقلم \ المفكرالعربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الدعاء هو أعظم عبادة على الإطلاق، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ [الأحقاف: 5-6].
وقال تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر: 13-14].
وقال صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة".
بل إن أعظم عبادتين كان يقدمهما المشركون لمعبوداتهم هما الدعاء والقرابين، فكانوا يدعون عند الأنصاب التي نصبوها للملائكة أو الأنبياء والصالحين ويظنون أنها تستجيب لهم فيشكرونها على ذلك بتقديم القرابين والنذور وإقامة الأعياد السنوية لها. لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الأعراف: 194].
وقال: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ﴾ [يونس: 106].
ويكون الدعاء شركًا في أمرين:
1- الدعاء بالغيب للملائكة والجن أو الإنس الأموات، حتى وإن كانوا أحياء عند ربهم فإنهم ماتوا عن الدنيا ﴿ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾.
2- الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله حتى لو كانوا أحياء (كطلب الشفاء أو غيره).
• ملحقات الدعاء:
1) التوسل المشروع:
ويكون بثلاثة أمور لا رابع لها وما عداها بدعة:
(أ) التوسل بأسماء الله وصفاته وكلماته.
(ب) بالعمل الصالح للعبد نفسه.
(ج) بدعاء الصالحين وله شروط ثلاثة:
1- أن يكون المتوسل به حيًّا موجودًا أمام المتوسل.
2- أن يكون بدعائهم وليس بذواتهم.
3- أن يكون المتوسل به من المستقيمين على الكتاب والسنة، فلا يجوز التوسل بجاهل أو مبتدع، لأن في ذلك تضليل وإقرار على البدعة بأنها كرامة.
التوسل غير المشروع ويكون بأسماء الخلق وصفاتهم وذواتهم، وهو شرك، قال صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك" والتوسل بالأسماء والصفات نوع من الحلف، ولأن الحلف يكون (بالباء) مثل بالله أو بالتاء مثل (تالله) وأو بالواو مثل (والله) فمن قال بالله عليك لتفعلن كذا، فهو مشروع ومن قال (بحق النبي لتفعلن كذا) فهذا شرك أو (بجاه النبي لتفعلن كذا) فمن المعلوم أن كل قسم من المخلوق بمخلوق شرك، فما بالنا بمن يقسم على الخالق بأحد خلقه (فيقول يا رب بجاه النبي) أو (بحق النبي) لا شك أن هذا أشد شركًا. وكفارة ذلك إذا نسي أن يقول: (لا إله إلا الله).
2) الشفاعة:
الشفاعة للبشر شفاعتان، شفاعة مثبتة وشفاعة منفية، فأما المثبتة فهي التي تكون يوم القيامة، حيث يأذن الله للنبيين والملائكة والصالحين، ثم لله أن يقبلها أو لا يقبلها بإرادته سبحانه وعلى حسب حال المشفوع له، فالله مالكها أولًا وأخيرًا، أما الشفاعة المنفية الشركية فهي التي تطلب في الدنيا بالغيب من الملائكة أو الأموات (وإن كانوا أحياء عند ربهم) قال تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [يونس: 18].
3) الاستعاذة:
• وهي في اللغة: هي الالتجاء والاعتصام.
والاستعاذة: هي دعاء الله بأسمائه وكلماته في دفع ضر متحقق أو منع ضر متوقع، قال الشاعر
يا من ألوذ به فيما أؤمله ♦♦♦ ومن أعوذ به مما أحاذره
والاستعاذة نوع من أنواع العبادة إذ هي أعظم شقي الدعاء، وهما الدعاء طمعًا فيما عند الله من فضله ورحمته، أو دفعًا وحذرًا من شر المقادير فلا يجب أن نستعيذ بغير الله عز وجل، فهي من أعظم العبادات.
ومن الشرك في الاستعاذة: الاستعاذة بالجن قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾ [الجن: 6].
قال ابن كثير: أي إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا من البراري كما كانت عادة العرب في جاهليتها، يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم.
ويلحق بالاستعاذة الرقية وهي أخص من الدعاء من حيث أنها تصل إلى جسد المطبوب، باليد أو جنس شائع من تراب أو ماء أو هواء (النفث). لذا وجب ألا تكون الرقية إلا بدعاء الله بأسمائه وكلماته طلبا من الله وحده بلغة مفهومة ليس فيها طلاسم ولا ذكر إنس أو جن أو خلط حجر أو شجر، فكل ذلك من قبيل الشرك إلا ما كان من راقٍ يرقي أو موصل للرقية من جنس شائع من ماء أو هواء أو تراب.
ومن الشرك أيضًا: الذهاب إلى الكهان وهم من يخبرون عن الغيبيات ويأخذون ذلك عن الجن، وكذلك التطير وتعليق التمائم، والذهاب إلى المنجمين وتصديقهم، وتعليق المقادير بالنجوم والأبراج. ومن الكفر الاستهزاء بدين الله وأشده سب دين الله وكذلك الإعراض عن الدين وشرائعه بالكلية تعلمًا وعملًا.
• من مظاهر الشرك اليوم:
1- في الدعاء:
إذا كانت أعظم عبادة صرفها مشركو الجاهلية لشركائهم هي الدعاء، فإن بعض طوائف اليوم قد صرفوا جل دعائهم لأهل البيت ولما يسمونهم بالصالحين، بل إن شرك هؤلاء اليوم أشد من شرك مشركي قريش في دعاء غير الله، إذ أن مشركي الجاهلية الأولى كانوا يدعون غير الله تعالى في الرخاء فقط أما في الشدة فكانوا يخلصون الدعاء لله وحده قال تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} ﴾ [العنكبوت: 65].
وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 67].
أما مشركي هذا العصر فإنهم يخلصون الدعاء في الشدة لشركائهم، فيستغيثون بهم في البر والبحر، كما يحكى ذلك عن كثير منهم. وكما قال عالمهم على شاشات التلفاز عن البدوي " إنه هو السيد المهاب الذي إذا دعي في البر أو البحر أجاب".
2) القرابين (الذبائح والنذور):
إن المشركين لما كانوا يظنون أن معبوداتهم من الملائكة والصالحين هم أولياء نعمتهم، فإذا دعوهم ظنوا أنهم هم الذين يستجيبوا لهم فكانوا يشكرونهم على ذلك بالذبح أو النّذور، ولكن النعمة من عند الله وحده لا تطلب بالدعاء إلا منه، ولا يشكر عليها بالذبح أو النذر إلا هو يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 17].
وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ﴾ [الأنعام: 136] أي لم يكونوا يتقربون بها لله وحده بل جعلوا له فيها نصيب ولشركائهم النصيب الآخر.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من آوى محدثًا ولعن الله من غير منار الأرض)[1] وفي صحيح مسلم (لعن الله من ذبح لغير الله)، وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرِّب له شيئًا فقالوا لأحدهما: قرِّب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابًا، فقرَّب ذبابًا فخلو سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرِّب، فقال: ما كنت لأقرِّب لأحد شيئًا دون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة) رواه أحمد.
فإذا كان جل شرك المشركين الأول هو دعاؤهم ثم التقرب إليهم بالذبائح والنذور وهما أعظم عبادتان صرفوها لآلهتهم، فإن صوفية العصر قد فعلوا نفس الفعل في دعائهم للصالحين، ثم إتباع ذلك بذبح الذبائح أو تقديم النذور شكرانًا لهم، معتقدين أنهم هم الذين يستجيبوا لهم أو أنهم يتقربون بذلك إلى الله لأنهم شفعاؤهم عند الله، فهذا هو نفس فعل المشركين الأول، قال تعالى: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [الزمر: 3] أي ما نقدم لهم العبادات من الدعاء والذبح والنذر إلا ليقربونا عند الله زلفى.
3) أعياد الجاهلية:
إن مما كان يتقرب به المشركون الأول لآلهتهم أنهم كانوا يقيمون لهم الاحتفالات السنوية والتي تعاد في وقت معلوم، وهي ما تسمى بأعياد الجاهلية. والعيد مأخوذ من "العيادة" و"العود" و"العادة" وكلها ذات معاني متقاربة، بمعنى أنها احتفالات تعاد سنويًّا في ميعاد محدد.
وهذه الأعياد كانوا يقدمون فيها القرابين (الذبائح والنذور) لمعبوداتهم، كما أنها كانت ميدانًا خصبًا لارتكاب كل ما استحلوه في دينهم من ارتكاب الفواحش، من شرب للخمر أو لعب الميسر أو استسقام بالأزلام ومجال خصب للعب واللهو، وتحويل الذكر والصلاة إلى التصفيق والصفير كما حكى الله تعالى ذلك عنهم ﴿ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ﴾ [سورة الأنفال: 35] أي إلا تصفيرًا وتصفيقًا كما ذكر ابن كثير.
وإذا نظرت إلى الموالد التي يقيمها بعض طوائف اليوم لأوليائهم، وجدت أنها كأعياد الجاهلية أو أشد، فهي أعياد تقام احتفالًا لأسيادهم، وأنه يرتكب فيها كل ما كان يرتكب في أعياد الجاهلية الأولى، من ذبح للقرابين وتقديم للنذور وشرب الخمر ولعب للميسر والاستقسام بالأزلام على الطريقة العصرية، وتجد الزنا وتحويل عبادة الذكر إلى رقص ومزمار وتصفيق. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه قال صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا قبري عيدًا) وفي رواية: (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا ولا تتخذوا بيتي عيدًا وصلوا علي وسلموا فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم)[2]، وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد)[3].
4) الحلول وعبادة المخلوقين:
لقد اشتد شرك بعض طوائف العصر ممن ينتسبون للإسلام عن شرك الجاهلية في أن مشركي قريش كانوا يعتقدون أن الله في السماء، وأن آلهتهم هذه مملوكة لله ولا تملك شيئًا، ولكنها تقربهم إلى الله زلفى. فكانوا يقولون في تلبيتهم في الحج (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك).
أما هؤلاء فيعتقدون أن الله ليس في السماء، بل هو حال في معبوداتهم، بل إن معبوداتهم (من المشايخ) هي نفس ذات الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، بل وصل الأمر ببعضهم أن قال الله حل في كل شيء، بل أن كل شيء هو نفس ذات الله نراه بأعيننا وتحسه أيدينا. كما قال ذلك شيخهم ابن عربي حينما قال:
العبد رب والرب عبد ♦♦♦ يا ليت شعري من المكلف
وكما قال الحلاج الذي قتله الإمام حينذاك حينما قال "ما في الجبة إلا الله" سبحان الله عما يفترون.
5) التحاكم إلى غير شرع الله:
قال تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [النور: 54].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 51].
وقال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].
وقال تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 10].
وقال تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 40].
وقال تعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الروم: 28].
إن الطاعة والانقياد هي أعظم دليل للعبودية، فلقد ضرب الله لنا مثلًا من أنفسنا نحن البشر، هل نرفع منزلة ما ملكت أيماننا من العبيد إلى منزلتنا فيشاوروننا فيما نأمرهم به، أو يعترضون علينا أو يشاركوننا في أموالنا، أم أنهم يسمعون ويطيعون مع كامل الذل والخضوع فهذا هو حال العبد من البشر لسادتهم من البشر طاعة كاملة وانقياد كامل للأوامر فما بال حالنا نحن العبيد من البشر مع إلهنا وسيدنا وخالقنا ومحيينا ومميتنا.
سبحان الله كيف ندعي العبودية له ولا ننقاد لأوامره التي أرسلها لنا في كتابه أو على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فهو المبلغ عن ربه، فإنما العبودية في الائتمار، فمن لم يأتمر بأوامر الله التي أمرنا بها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فقد خرج عن العبودية لله بمقدار خروجه عن الأوامر الربانية، ومن خرج عن الأوامر بالكلية فقد خرج من العبودية بالكلية، وقد خرج من الدين بالكلية، قال تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ [هود: 112].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30].
أي الذين استقاموا على أوامر الله.
والحكم كله لله ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ فهو الملك العلام رب كل شيء ومليكه، وهو القاهر فوق عباده وكل ما سواه عبيد له، مقهورون تحت حكمه، فلذا يجب ألا يعبد إلا إياه بالتحاكم إليه وحده، ثم الانقياد لحكمه وحكم نبيه صلى الله عليه وسلم، فهو المبلغ عن ربه تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾.
• فيجب أن نمتثل لأوامر الله في كل أحكامه من:
1) أحكام الإيمان.
2) أحكام العبادات.
3) أحكام التشريعات في شتى نواحي الحياة من تحليل وتحريم ومعاملات وحدود وقضاء.
لأننا وكل ما نملكه من نعم هو من عند الله وحده مملوك له، لذا يجب أن نتبع أمره فيه ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162- 163].
ولقد كان من شرك المشركين أنهم جعلوا لهم شركاء في التشريع فتابعوهم على تحليل الحرام وتحريم الحلال وترك شرائع الدين والابتداع فيه قال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ [الأنعام: 137] أي أن شركاءهم زينوا لهم أن يقتلوا أولادهم. وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام: 121]، وعن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 31]، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه" فقلت: بلى قال: "فتلك عبادتهم" رواه أحمد والترمذي وحسنه.
وقد قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 60]، والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله كما قال الإمام ابن القيم. قال الإمام ابن القيم: (الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدون من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته... انتهى.
ولقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، أي أن من أطاع غير الله في معصية الله فقد اتخذه طاغوتًا وعبده من دون الله.
وهذه الآيات تخاطب عامة المكلفين:
1- العلماء: بأن يحكموا بما أنزل الله، ويبينونه للناس ولا يكتمونه خشية أحد ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44].
2- الأمراء: وهو أن يحكموا بما أنزل الله، وأن يتحروا اختيار العلماء الربانيين الذين يبينون لهم الحق الذي يجب أن يحكموا به، ولا يعرضوا عن شريعة الله التي أنزلها لتحكم بين عباده، ولا يكونوا كالذين قال الله فيهم ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾.
3- عامة العباد: بأن يتحاكموا إلى شرع الله تعالى، ولا يتحاكموا إلى غيره وألا يطيعوا علماءهم وأمراءهم في معصية الله، وإلا فقد عبدوهم وجعلوهم طواغيت، قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ بأن تابعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال وقال تعالى: ﴿ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ وقال: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾ أي إلى غير شرع الله.
فكيف بعد ذلك نترك شرع الله ونتحاكم إلى شرائع الكفار، من القانون الفرنسي وغيره، فهذا من أعظم الكفر والجحود بالله وشرعه.
________________________________________
[1] صحيح، تحقيق الألباني، 5112 صحيح الجامع.
[2] أخرجه السيوطي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما.
[3] رواه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار.

اكتب تعليق

أحدث أقدم