اد.حمدي سيد محمد محمود ...اللغة العربية بين الإثراء والتغريب

 



د.حمدي سيد محمد محمود - باحث أكاديمي

E-mail : dr.hamdysayedmohamed@gmail.com

في كتابه الرائع الإسلام والقومية العلمانية كتب الشيخ المغربي الجليل عبد السلام ياسين

 عن العلاقة التي تربط اللغة العربية بالقرآن والسنة والحضارة الإسلامية وكان مما ذكره

 في هذا السياق ما يلي:

هذه اللغة العربية التي حملت القرآن، وحملت السنة، وحملت علوم المسلمين، وحملت

 حضارة عظيمة، هل بوسعها أن تحمل لمستقبل الأمة حضارة اليوم والغد وما يُكون هذه

 الحضارة من مضمون تقني علمي مادي؟ هل تبلغ هذه اللغة الشريفة اليوم وغدا رسالة

 تحرير الإنسان كما بلغت من قبل؟

ما دام القرآن بين ظهرانينا لم يرفع فرسالة التحرير محمولة، واقتحام العقبة سماع مطلوب،

 والاستجابة له منشودة. على السماع والاستجابة مدار هذا الكتاب.

إن هذه اللغة الشريفة المشرفة بحمل القرآن وصحبته اكتسبت روحانية وقدرة على غزو

 القلوب ووصف مشاعر الإيمان ونبضات الإحسان. تلك الروحانية وتلك القدرة لا نجدها،

 وأنى توجد، في أي لغة غيرها. كل لغة غيرها منقوصة الأعضاء عديمة الكفاءة عن

 التعبير في ميدان الرحمة. وأذكِّر أنني أقصد بالرحمة ما من الله عز وجل إلى العبد، أقصد

 تلك العلاقة الإيمانية. أما ميدان الحكمة فالعربية فيها، ككل اللغات، تحتاج إلى الاقتباس،

 قابلة للإثراء.

إن قدرتنا على اقتحام العقبة، والعقبة تحرير وعدل وسيادة، تتوقف على اكتساب لغتنا

 الشريفة لسلطان الكفاءة العملية، سلطان السيطرة على المكاسب العلمية البشرية، سلطان

 الصلاحية للاستقلال بتلك العلوم والسير بها قدما نحو القوة الحقيق بها من يستخلفهم الله

 عز وجل في الأرض.

ليس المشكل هو إسعاف المتعلم والمفكر بالعربية بالكلمات اللازمة، لكن المشكل أن نطور

 أداة للتعبير عن العصر دون أن نضيع بعيدا عن لغة القرآن، أن نسعف العقل بأداة إجرائية

 مع تقوية لغة القلب.

إن اللغة العربية ملك مشترك بيننا وبين القوميين العرب، وهي حفنة فاعلة نشيطة من

 المثقفين. هؤلاء يريدون أن يبدأوا بعلمنة العربية، بجعلها لغة عامة، وبعضهم يريدها

 عامية، تخاطب كل العقول، لا صلة لها بالدين، يريدونها لغة عقل متفتحة على العقلانية

 الكونية، مندمجة فيها. لا يرون لها مستقبلاً ما لم تكتسب المرونة من تطليق المفاهيم الدينية

 الغيبية واعتناق الواقع الإجرائي المتطور.

نحن نريد عكس كل هذا، يريده كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر وإن كان لسانه أعجميا.

 فمن الأداة اللغوية، ومن المواجهة بين المطلبين المتناقضين، ترتسم أمامنا إشكالية

 الصراع بين ثقافات علمانية مادية وبين رسالة الإسلام، وتنفتح أمامنا آفاق ليس الإثراء

 الفعلي للغة فيها أهون من مقاومة تغريب لغتنا وعلمنتها وبترها.

اكتب تعليق

أحدث أقدم