تمكين الشباب.. من الشعار إلى واقع يصنع بالأيدي
بقلم: باهر رجب
 |
| باهر رجب |
في زمن تتصارع فيه الخطابات وتتعدد فيه الشعارات، تبقى قضية تمكين الشباب على رأس الأولويات الاستراتيجية لأي دولة تسعى إلى الاستقرار والنهضة. فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية عابرة، بل هم عماد الحاضر و صناع المستقبل، وقادتهم الطبيعيين في معركة البناء والتنمية. ومن هنا، نؤكد دائما أن تمكين الشباب ليس مجرد شعار يرفع في المؤتمرات والندوات، بل هو واقع نصنعه بأيدينا من خلال صقل المهارات، وتعميق الوعي السياسي، والمشاركة الفعالة في بناء مؤسسات الدولة.
اقرأ أيضا
صقل المهارات: السلاح الأقوى لمواكبة المستقبل
في عصر تتسارع فيه وتيرة التغيرات التكنولوجية والاقتصادية، لم يعد الاعتماد على المناهج التقليدية كافيا لتأهيل الشباب لسوق العمل المتغير. لقد أدركت الدول التي حققت قفزات نوعية في تنميتها أن الاستثمار الحقيقي يكمن في تطوير قدرات الشباب، بدءا من المهارات الرقمية واللغات، وصولا إلى المهارات القيادية والإدارية.
كما إن صقل المهارات هو عملية مستدامة تبدأ من المؤسسات التعليمية وتمتد إلى مراكز التدريب المتخصصة، ومنصات التعلم الإلكتروني، وبرامج التدريب العملي داخل المؤسسات الكبرى. فاليوم، لم تعد الشهادة الجامعية وحدها هي مقياس الكفاءة، بل أصبحت الخبرات العملية، والقدرة على حل المشكلات، ومهارات التفكير النقدي، هي المعايير الحقيقية التي تفرق بين الشباب القادر على المنافسة وغيره. حين نصنع واقعا للشباب قائما على اكتساب المهارات الحقيقية، فإننا نصنع جيلا واعيا بأدوات العصر، قادرا على الابتكار والإبداع، وليس مجرد متلقى للمعلومات.
تعميق الوعي السياسي: درع الحماية للدولة والمجتمع
علاوة على ذلك لا يقتصر تمكين الشباب على الجانب المهني و المهاري فقط، بل يمتد ليشكل وعيا سياسيا متكاملا، باعتبار ذلك ركيزة أساسية للحفاظ على كيان الدولة واستقرارها. فالشباب الواعي إدراكا صحيحا لمفاهيم المواطنة وحقوقه وواجباته، هو شباب يدرك قيمة مؤسسات الدولة، ويعي المخاطر التي تحيط بوطنه، ويصبح في منأى عن محاولات الاختراق الفكري والتجنيد الإلكتروني التي تستهدف عقول النشء في عصر المعلومات المفتوحة.
كذلك تعميق الوعي السياسي لا يعني تلقين الأفكار، بل يعني فتح قنوات للحوار البناء. وتعزيز ثقافة التسامح وقبول الآخر، وترسيخ مبدأ أن الخلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية. من خلال هذه التربية الوطنية المستنيرة. يتحول الشباب من مجرد متفرج على الأحداث إلى شريك فعال في حماية مقدرات الوطن. ودرع حصين في وجه الشائعات و الحروب النفسية التي تستهدف زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة.
المشاركة الفعالة: من هامش القرار إلى قلب الحدث
كما أن الخطوة الأكثر حسما في ملف تمكين الشباب هي الانتقال بهم من مقاعد الانتظار إلى موقع القيادة وصنع القرار. فالمشاركة الفعالة لا تقتصر على إبداء الرأي في الاستفتاءات أو المشاركة في الفعاليات الشبابية الموسمية. بل تتجلى في تمثيل حقيقي داخل المجالس النيابية والمحلية، وفي الهيئات الاستشارية، وفي مواقع القيادة التنفيذية و الإشرافية.
حيث شهدت السنوات الأخيرة نقلة نوعية في هذا الملف. حيث تم إدماج الشباب بشكل غير مسبوق في هياكل الدولة، سواء من خلال التعيينات القيادية في الوزارات والمحافظات. أو عبر البرامج الرئاسية التي تؤهل كوادر شابة لتولي مناصب قيادية، أو من خلال توسيع قاعدة تمثيلهم في المجالس النيابية. هذه المشاركة الفعلية هي التي تحول مبدأ التمكين من طموح نظري إلى واقع عملي ملموس. لأنها تمنح الشباب فرصة حقيقية لوضع أيديهم على مفاصل العمل الوطني، وتحمل المسؤولية، وتقديم نموذج يحتذى به لأقرانهم.
اقرأ أيضا
الخلاصة: تمكين واعى لمستقبل أكثر رسوخا
في المحصلة، إن تمكين الشباب بهذا المفهوم الشامل الذي يجمع بين المهارة، والوعي، والمشاركة، هو مشروع وطن بامتياز. إنه الاستثمار الأضمن لضمان استمرار مسيرة البناء، وترسيخ قيم المواطنة، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية. حين نصنع واقعا للشباب قوامه التدريب الجاد، والتوعية السياسية الرشيدة. والمشاركة الفعلية في مؤسسات الدولة، فإننا نضمن أن تكون قيادة الغد أكثر كفاءة و وعيا وقدرة على حمل الراية.
علاوة على ذلك إن التحول بالشباب من طاقة خام إلى قوة فاعلة مؤثرة ليس خيارا ثانويا. بل هو ضرورة حتمية لضمان مستقبل أكثر ازدهارا و استقرارا. فدول اليوم لا تبنى إلا بسواعد أبنائها. ولا تصمد إلا بعقول قادتها، والشباب المتمكن هو خير ضمان لهذه المعادلة.
إرسال تعليق