ضجيج الطبول بقلم ا.د إبراهيم مرجونة

ضجيج الطبول بقلم ا.د إبراهيم مرجونة


مقال: ضجيج الطبول 
بقلم ا.د إبراهيم مرجونة 

“بعض الناس لا يعيشون حياتهم، بل يقضون أعمارهم يعزفون الإيقاع الذي يرقص عليه الآخرون.”

 في قراءة أدبية تأملية  لفيلم الراقصة والطبال والوقوف على بعض الدلالات والرمزيات يتبين أنه ليست بعض الأفلام مجرد حكايات تُشاهد ثم تُنسى، بل مرايا اجتماعية حادة، تظل قادرة على إزعاج الوعي حتى بعد مرور العقود. ومن بين هذه الأعمال يقف فيلم الراقصة والطبال بوصفه نصًا إنسانيًا كثيفًا، لا يتحدث فقط عن راقصة وطبّال، بل عن مجتمع كامل يصفق في العلن لما يدينه في السر، ويصنع أصنامه بيده ثم يرشقها بالحجارة.
الفيلم الذي قام ببطولته أحمد زكي ونبيلة عبيد، ومن إخراج أشرف فهمي، وكتبه إحسان عبد القدوس يبدو في ظاهره قصة صعود فني وعلاقة إنسانية معقدة، لكنه في عمقه تشريح قاسٍ لفكرة “الاستخدام الاجتماعي” للبشر؛ حيث يتحول الإنسان إلى أداة للمتعة أو للربح أو للوجاهة، ثم يُلقى جانبًا بمجرد انتهاء دوره.

لكن الفيلم، في مستوى أعمق، يُعد وثيقة فنية عن زمن “الانفتاح” بكل تناقضاته؛ ذلك الزمن الذي فتحت فيه الأبواب أمام الصعود السريع، واختلطت فيه الأحلام بالصفقات، والموهبة بالاستعراض، والقيمة الحقيقية بالبريق المؤقت. لقد بدا المجتمع آنذاك وكأنه يحتفي بالمواهب، لكنه في الحقيقة كان يحتفي بما يمكن استهلاكه منها فقط. يرفع الفنان ما دام قادرًا على جذب الضوء والمال، ثم يبدأ تدريجيًا في إقصائه حين يتحول إلى كائن له رأي أو كرامة أو احتياج إنساني.
في أجواء الانفتاح تلك، صار النجاح أشبه برقصة سريعة فوق أرض رخوة. الجميع يريد الصعود، لكن لا أحد يضمن البقاء. وهنا يتحول الفن إلى سوق، والإنسان إلى “حالة استهلاكية” مرتبطة بقدرته على الإمتاع. ولذلك يبدو الفيلم وكأنه يصرخ ضد عصر كامل، لا ضد أفراد بعينهم؛ عصر أعاد تعريف القيمة الإنسانية وفق منطق الربح والواجهة الاجتماعية.

الطبّال في الفيلم ليس مجرد موسيقي يقف خلف الراقصة، بل رمز للإنسان البسيط الذي يمنح الآخرين الإيقاع بينما يعيش هو خارج الضوء. يضرب الطبل ليصنع البهجة للناس، لكنه لا يمتلك من البهجة شيئًا.

فالطبال هنا ليس مجرد رجل يطرق على الجلد المشدود، بل هو رمز لأولئك الذين يمنحون الحياة إيقاعها بينما يعيشون هم خارج الضوء. هناك دائمًا شخص مجهول يقف خلف المشهد، يصنع النجاح لغيره، ثم يختفي اسمه كأنه لم يكن.
 وكأن الفيلم يهمس بحكمة فريدريك نيتشه القاسية: “ليس كل من يحمل الموسيقى قادرًا على الرقص”. فالذين يصنعون البهجة كثيرًا ما يكونون أقل الناس نصيبًا منها.

 كأن الفيلم يريد أن يقول إن هناك دائمًا من يستهلك عمره كي يلمع غيره، وأن المجتمعات كثيرًا ما تحتفي بالواجهة وتنسى من يحمل البناء على كتفيه.
والمفارقة المؤلمة أن المجتمع نفسه الذي يصنع النجوم، هو ذاته الذي يتلذذ بإسقاطهم. يحتفي بالمبدع حين يكون مادة للفرجة، ثم يضيق به حين يكشف هشاشة الواقع أو يطالب بمكانته الحقيقية. لذلك فإن الإقصاء في الفيلم لا يأتي دائمًا بشكل مباشر، بل يأتي ناعمًا، باردًا، تدريجيًا؛ بالتجاهل أحيانًا، وبإعادة ترتيب المشهد بحيث يصبح صاحب الموهبة زائدًا عن الحاجة.
أما الراقصة، فهي ليست مجرد امرأة تعمل في مهنة مثيرة للجدل، بل تجسيد لفكرة الجسد حين يتحول إلى سلعة اجتماعية. الجميع يريدها رمزًا للمتعة، لكن أحدًا لا يريد الاعتراف بإنسانيتها الكاملة. المجتمع ذاته الذي يملأ الصالات للتصفيق، يعود ليتحدث عن “الفضيلة” وكأنه لم يكن جزءًا من المشهد. هنا تظهر عبقرية الفيلم؛ فهو لا يدين فردًا بقدر ما يكشف نفاق الجماعة.
وفي خلفية كل ذلك، كان الانفتاح الاقتصادي يخلق طبقة جديدة تؤمن بأن كل شيء قابل للبيع؛ الفن، العلاقات، وحتى البشر أنفسهم. ولذلك لم تعد الموهبة وحدها كافية للبقاء، بل صار المطلوب قدرة على التكيف مع لعبة النفوذ والمال والعلاقات. ومن لا يجيد اللعبة يُدفع إلى الهامش مهما امتلك من صدق أو موهبة.
في أحد مستويات القراءة، يبدو الفيلم صرخة ضد الطبقية أيضًا. فالعلاقة بين البشر فيه لا تُقاس بالمشاعر بقدر ما تُقاس بالمكانة والنفوذ والقدرة على الاستفادة. الإنسان الفقير مطالب دائمًا بأن يكون ممتنًا، حتى وهو يُستغل. أما صاحب النفوذ فيملك حق إعادة تعريف الأخلاق وفق مصلحته. ولذلك لم يكن الصراع الحقيقي في الفيلم بين “راقصة” و”طبّال”، بل بين الهامش والمركز، بين من يعيشون تحت أقدام المجتمع ومن يجلسون في شرفاته العالية يراقبون الجميع.

وربما أكثر ما يمنح الفيلم قيمته الرمزية أن الطبل نفسه يتحول إلى استعارة ضخمة للحياة. فالضجيج فيه أعلى من الحقيقة. الإيقاع يغطي على الألم. والتصفيق أحيانًا ليس دليل إعجاب، بل وسيلة للهروب من الصمت الذي يكشف هشاشتنا. كثيرون في حياتنا يشبهون ذلك الطبّال؛ يواصلون العزف رغم انكسار أرواحهم، لأن التوقف يعني السقوط الكامل.

الفيلم أيضًا يناقش فكرة “الاحتياج العاطفي” لدى البشر الذين يعيشون في بيئات قاسية. فالشخصيات لا تبحث فقط عن الحب، بل عن الاعتراف بإنسانيتها. كل واحد منهم يريد من يقول له: “أنت لست مجرد دور تؤديه”. لكن المأساة أن المجتمع غالبًا لا يرى الناس إلا من خلال وظائفهم أو صورهم الخارجية؛ الراقصة تبقى راقصة حتى لو امتلكت قلبًا نقيًا، والطبّال يبقى مجرد تابع حتى لو كان أكثر نبلاً من الجميع.
ومن أجمل ما يقدمه العمل أنه يترك المشاهد في منطقة رمادية؛ فلا أبطال كاملون ولا شياطين مطلقة.

 الجميع جرحى بطريقتهم الخاصة. الجميع ضحايا لتركيبة اجتماعية أكبر منهم. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للفن؛ ليس في إصدار الأحكام، بل في تعقيدها، وفي دفعنا لرؤية البشر خارج القوالب الجاهزة.
وربما لهذا بقي الراقصة والطبال حيًا في الذاكرة؛ لأنه لم يكن عن الرقص بقدر ما كان عن الوحدة، ولم يكن عن الطبل بقدر ما كان عن الضجيج الذي نختبئ خلفه كي لا نعترف بحقائقنا المؤلمة. 

إنه فيلم يقول ببساطة شديدة وقاسية:
إن المجتمع قد يشتري موهبتك، ويستهلك روحك، ويحتفي بك حين تكون نافعة لمزاجه، ثم يقصيك بهدوء حين تنتهي صلاحيتك في سوق الفرجة.
وأخيراً يقول العم صلاح جاهين في الرباعيات 

لا دخلتها برجليا ولا كان لي ميل.
شايليني شيل دخلت أنا في الحياة.
وبكرة هاخرج منها شايليني شيل.

اكتب تعليق

أحدث أقدم