الاستاذ الدكتور ابراهيم مصطفى يكتب...... المرة الأخيرة : تلك التي لم أكن أعرف أنها الأخيرة

الاستاذ الدكتور ابراهيم مصطفى يكتب...... المرة الأخيرة : تلك التي لم أكن أعرف أنها الأخيرة






ثمة أشياء كثيرة في هذه الحياة نعرف متى تبدأ، لكننا لا نعرف أبدًا متى تحدث للمرة الأخيرة


.

ولعل أقسى ما في (المرة الأخيرة) أنها لا تأتي وهي تحمل لافتة تقول:

انتبه... لن يتكرر هذا اللقاء مرة أخرى.. إنها تأتي متخفية وعادية إلى حد الخداع.

أدرك ذلك جيدًا لأن لدى (مرة أخيرة) من هذا النوع.. كانت مع أمي.

فآخر لقاء جمعني بأمي لم يكن في مستشفى، ولم يكن على عتبة سفر، ولم يكن مشهدًا يصلح لأن نسميه وداعًا.. كنت مدعواً وأسرتي الصغيرة إلى الغداء، وجلسنا معها إلى مـائدة عادية في يوم بدا كغيره من الأيـام.. تحدثنا، وأكلنا، وربما ضحكنا في مواضع لا أستطيع اليوم أن أتذكرها جميعًا، ثم افترقنا كما يفترق الأحباب الذين يظنون أن أمامهم لقاءات أخرى... كنت أظن أنني سأراها مرة أخرى.

هذه العبـارة على بساطتها ربما تختصر علاقتنا بقسـوة الفقد؛ فنحن لا نودع من نحب في كل مرة نغادرهم، لأننا نعيش على يقين خفي بأن اللقـاء قابل للتكرار.. نختصر معهم الجلسة لأن هناك جلسة أخرى، ونؤجل الحديث لأن هناك ( غدًا ) سنلتقي بهم مرة أخرى.

منذ ذلك اليوم، لم تعد تؤلمني فكرة الرحيل وحدها بقدر ما تؤلمني متلازمة المرة الأخيرة.

كيف استطـاع يوم بهذه الأهمية أن يتخفى في هيئة يوم عـادي؟

كيف جلست إلى جوار أمي دون أن أشعر أن الزمن يسلب من بين أيدينا آخر ما تبقى لنا من لقـاء؟

كيف تواطأت الدقائق الأخيرة مع القدر، فمضت في هدوئها المعتاد دون أن تتباطأ واحدة منها لتلفت انتباهي؟ كانت الدقائق بلا قلب؛ تعرف أنها تأخذ أمي مني قليلًا قليلًا، وتمضي دون أن تتوقف إحداها أو تشفق على قلب رجلٍ لم يكن يعلم أنه كلما مرّت دقيقة، صار أقرب إلى وداعٍ لم يُهيَّأ له؟

  كيف عرف القدر أنها المرة الأخيرة، ثم تركنا نعيشها بكل ذلك الاطمئنان، ولم يشفق علينا بإشارة صغيرة، بارتباك عابر في القلب، بأي شيء يجعلنا نتشبث باللحظة قبل أن ينتزعها منا إلى الأبد؟

 ربما لو كنت أعرف، لتغير كل شيء في ذلك اليوم.

كنت سأطيل الجلوس... لا لأن لديَّ حديثًا مهمًا أريد أن أكمله، بل لأنني كنت سأعرف أن دقائق نملكها اليوم إلى جوار من نحب قد نقضي العمر كله غدًا نتوسل إلى الزمن أن يعيد إلينا واحدةً منها... فلا يفعل.

كنت سأصغي إليها أكثر، حتى إلى الأشياء التي سمعتها منها عشرات المرات؛ تلك الحكايات التي ربما استعجلت نهايتها لأنني أعرفها، ولم أكن أعرف أنني سأشتاق بعد ذلك إلى الصوت الذي كان يرويها. . كنت سأتركها تتحدث ما شاءت، وأصغي لها ما شاءت؛ لأنني أعرف الآن أن هناك فرقًا موجعًا بين أن تصمت الأم لأنها انتهت من الكلام، وبين أن يصمت صوتها إلى الأبد.

كنت سأنظر إلى وجهها طويلًا...نظرة من يحاول أن يحفظ خريطة مكان يعرف أنه سيفقد الطريق إليه.

كنت سأحفظ تفاصيل لم أفكر يومها في حاجتي إليها:

 ابتسامتها.. نظرة عينيها.. حركة يديها وهي تتحدث، والطريقة التي كانت تنظر بها إليّ. . كنت سألتقط وأجمع منها في ذاكرتي كل ما استطعت كمنفي يعرف أنه يغادر وطنًا لن تمنحه الحياة تأشيرة للعودة إليه مرة أخرى .

ما أقسى أن نحفظ وجوه أمهاتنا منذ الطفولة، ثم نكتشف بعد رحيلهن أن الذاكرة مهما كانت وفية فلن تعيد إلينا من ملامحهن إلا ما يكفي لإيقاظ الشوق، فهى لا تستطيع أن تمنحنا وجهًا كاملًا  يشفي غلة الفقد فينا حين نشتاق.

كنت سأعانقها بطريقة مختلفة...عنـاقًا طويلاً.. عنـاقاً لا أطلب من الزمن بعدها ساعة أخرى، ولا يومًا آخر، ولا عامًا آخر.. كنت سأضمها وأنا أعرف أن ذراعيَّ تحفظان للمرة الأخيرة هيئة أمي، كنت سأقاوم لحظة الإفلات نفسها؛ تلك اللحظة البسيطة التي يرفع فيها الإنسان ذراعيه عن شخص يحبه مطمئنًا إلى أن عنـاقًا آخر ينتظره في لقـاء قادم.

كنت سأخادع الزمن، وأستدير وأعود إليها منحنياً أمام يديها وقدميها أقبّلهما طويلًا، لا طلبًا لشيء، بل اعتذارًا عن كل مرة ظننت فيها أن وجودها أمرٌ مضمون.

كنت سأضع رأسي في حجرها مرة أخرى، كما كنت أفعل صغيرًا، وأنسى كل ما أضافته السنوات إلى عمري من ألقاب ومسؤوليات ووقار مصطنع؛ فمهما كبر الرجل، يظل في حضرة أمـه ذلك الطفل الذي لا يحتاج إلى أن يبرر ضعفه، ولا أن يتظاهر بأنه بخير.

كنت سأطلب منها أن تضع يدها على رأسي مرة أخيرة...تلك اليد التي لم أكن أعرف وأنا أقبّلها، وأصافحها أنني سأشتاق يومًا إلى ملمسها.

كنت سأقول لها:

 سامحيني عن كل زيارة كان يمكن أن تطول فاختصرتها ، وعن كل مكالمة تعجلت نهايتها، وعن كل وعد (بغد) قلته مطمئنًا، ولم أكن أعرف أن للأمهات في أعمارنا عددًا محدودًا من الغد!

ولو سمح لي الزمن بخديعة أخيرة، لما طلبت منه أن يعيد لي ذلك اليوم كله.

كنت سأطلب دقيقة واحدة إضافية ...

دقيقة أعود فيها مهرولاً مرة أخرى إلى أمي، أملأ عينيَّ وفؤادي من وجههـا، وأقبّل يديها وقدميها، وأنظر إليها كما ينظر الغريق إلى آخر ما تبقى له من اليابسة.

تركتها كما نترك من نحب:

 بلا خوف، وبلا ارتباك، تركتها بذلك الاطمئنان القاسي إلى أن هناك (مرة أخرى)..

فأنا لم أغادر أمي لأنني لم أرغب في البقاء معها، وإنما غادرتها لأنني كنت مطمئنًا إلى أنني سأعود إليها .. لم يكن ذلك تقصيرًا بقدر ما كان اطمئنانًا قاسياً .

نحن نطمئن إلى وجود الأم كما نطمئن إلى البيت.. فتصبح الأم مع مرور العمر مكانًا أكثر منها شخصًا، جهة ثابتة نعود إليها مهما ابتعدنا ، وموطنًا صغيرًا لا يخطر ببالنا أنه قد يأتي يوم نبحث عنه فلا نجده.

وربما لهذا يبدو رحيل الأم مختلفًا.. فالإنسان لا يفقد برحيلها شخصًا يحبه فحسب، بل يفقد جهة من جهات العالم كان يستطيع أن يعود إليها بلا ميقـات وبلا تفسير.. وحين ترحل الأم، تظل الطرق في أماكنها، والمنازل في مواضعها، وتبقى المدن كما هي على الخرائط...لكن شيئًا في جغرافية العالم قد تغيرت وإلى الأبد،  إذ تسقط من خريطة العالم جهةٌ كاملة يظل الإنسـان ما بقي من عمره وفيـاً لقبلتهـا دون أن يعرف طريقًا إليها.

 

 

 

اكتب تعليق