أيمن إسماعيل .. فنان لم تطفئه السنوات ولم تسقطه غياب الأضواء

أيمن إسماعيل .. فنان لم تطفئه السنوات ولم تسقطه غياب الأضواء

بقلم: آية محمود رزق في زمن أصبحت فيه الأضواء أسرع من الموهبة، وأصبح الحضور على الشاشات أحيانًا أهم من قيمة ما يُقدَّم، يظل هناك نوع آخر من الفنانين؛ أولئك الذين لا تُقاس قيمتهم بعدد ظهورهم، ولا تختصر مسيرتهم في مساحة دور أو حجم اسم على الأفيش. من هؤلاء يأتي الفنان أيمن إسماعيل، صاحب رحلة فنية امتدت بين المسرح والسينما والدراما، ولم تتوقف عند التمثيل فقط، بل امتدت إلى التأليف والكتابة والإعداد، ليصبح أمامنا فنان متعدد الأدوات، عاش الفن من أكثر من باب. شارك أيمن إسماعيل في أعمال سينمائية ودرامية ومسرحية متعددة، من بينها «واحد صفر» و«محترم إلا ربع» و«على واحدة ونص»، كما شارك في عدد من الأعمال الدرامية التي ترك خلالها حضورًا مميزًا، من بينها «ذات» و«اسم مؤقت» و«الزناتي مجاهد» و«المداح». لكن الحديث عن أيمن إسماعيل لا ينبغي أن يتوقف عند كونه ممثلًا؛ لأن تجربته تحمل جانبًا آخر ربما لا يعرفه كثيرون بالقدر الكافي: جانب الكاتب والمؤلف. حين يكون الفنان أكثر من ممثل لم يكتفِ أيمن إسماعيل بالوقوف أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح، وإنما امتد مشروعه إلى الكتابة والتأليف. فهو صاحب تجربة في التأليف المسرحي، من بينها مسرحية «باي واي فاي»، كما شارك في إعداد مسرحية «في انتظار بابا» التي عُرضت على خشبة المسرح القومي، من إنتاج البيت الفني للمسرح وإخراج المخرج الكبير سمير العصفوري. وتشير المصادر المنشورة عن العرض إلى أن إعداد العمل كان مشتركًا بين سمير العصفوري وأيمن إسماعيل. وهنا تصبح الصورة أكثر اكتمالًا؛ فنحن لا نتحدث عن ممثل ينتظر دورًا، وإنما عن فنان لديه أدوات متعددة، يستطيع أن يكتب ويؤلف ويُعد، ثم يقف أمام الجمهور ممثلًا لما صنعه أو شارك في صناعته. وفي السينما، امتدت تجربته في الكتابة أيضًا، فكتب فيلم «اللي خلّف منمش»، ليؤكد أن علاقته بالسينما لم تكن فقط من أمام الكاميرا، وإنما امتدت إلى صناعة الفكرة نفسها. من الشاشة إلى عالم البرامج وتتسع تجربة أيمن إسماعيل أكثر عندما نكتشف حضوره في مجال الكتابة التلفزيونية والبرامج. فقد كان من كتّاب المواسم الثلاثة الأولى من برنامج «أسعد الله مساءكم» مع أكرم حسني «أبو حفيظة»، كما شارك في كتابة «حدوتة بعد النوم» و**«سيد أبو حفيظة» على نايل كوميدي**، إلى جانب مشاركته في كتابة برنامج «كلام شوارع» على نايل كوميدي. كما كان من كتّاب برنامج CBM على قناة MBC. وهذه التجارب تكشف جانبًا مهمًا من شخصيته الفنية؛ فالكاتب الكوميدي تحديدًا لا يعمل بالأداء وحده، وإنما يحتاج إلى عين تلتقط التفاصيل، وأذن تعرف كيف تصنع الجملة، وحس يعرف أين تكمن المفارقة التي يمكن أن تتحول إلى ضحكة. لذلك فإن تجربة أيمن إسماعيل في الكتابة ليست هامشًا في سيرته، وإنما جزء أساسي من تكوينه الفني. ممثل يعرف قيمة التفاصيل ومن أعماله الدرامية التي قدم خلالها أدوارًا مميزة «ذات» و«اسم مؤقت» و«الزناتي مجاهد» و«المداح»، إلى جانب مشاركاته المتعددة في الدراما والسينما والمسرح. وربما تكون هذه هي النقطة الأهم في تجربته: أنه لم يجعل قيمة الدور مرتبطة بمساحته. فالفنان الحقيقي يستطيع أن يجعل من المشهد القصير حضورًا، ومن الشخصية الثانوية ذاكرة، ومن التفاصيل الصغيرة شيئًا يظل عالقًا في ذهن المشاهد. وهذه موهبة لا تُقاس بعدد دقائق الظهور، وإنما بقدرة الفنان على أن يترك أثرًا. المسرح.. المكان الذي لا يجامل أحدًا إذا كانت الشاشة تمنح الفنان فرصة لإعادة المشهد، فإن المسرح لا يمنح تلك الرفاهية. هناك، يقف الفنان أمام الجمهور مباشرة، بلا فواصل ولا مونتاج، ويصبح الصدق هو الاختبار الأول. ولهذا فإن ارتباط أيمن إسماعيل بالمسرح يمثل جانبًا مهمًا من تجربته، سواء من خلال التمثيل أو التأليف والإعداد. فإلى جانب مشاركاته المسرحية، ارتبط اسمه بأعمال مثل «باي واي فاي» و**«أول يوم جواز»** و**«اللي رسمت الطريق»**، كما كان أحد المشاركين في إعداد «في انتظار بابا» على المسرح القومي، وهو العمل الذي أخرجه سمير العصفوري. والمسرح لا يصنع نجومية سريعة، لكنه يصنع فنانًا يعرف معنى الوقوف أمام الجمهور، ومعنى أن تكون مسؤولًا عن كل كلمة وكل حركة وكل لحظة. حين يكون الفن مهنة وحياة ربما أصعب ما يمكن أن يواجهه الفنان ليس النقد، ولا المنافسة، وإنما أن يجد نفسه بعيدًا عن العمل الذي أحبّه وأمضى سنوات عمره من أجله. وفي يوليو 2025، تحدث أيمن إسماعيل بصراحة عن معاناته من قلة فرص العمل، مؤكدًا أنه لا يبحث عن مساعدة مالية أو تعاطف، وإنما عن فرصة للعمل في المهنة التي يحبها، معتبرًا أن الفن هو حياته. وهنا تحديدًا تتوقف الكلمات أمام معنى أكبر من مجرد شكوى فنان من قلة الأعمال. فحين يقول فنان: «أنا عايز أشتغل»، فهو لا يطلب شفقة، وإنما يذكّرنا بأن وراء كل فنان إنسانًا له أحلام ومسؤوليات وبيت ينتظر، وأن الموهبة وحدها لا تكفي إذا لم تجد بابًا مفتوحًا. موهبة لا تختصرها مساحة الدور من السهل أن نتذكر أسماء النجوم الذين يحتلون صدارة المشهد، لكن الأصعب أن نتذكر أصحاب الموهبة الذين صنعوا أجزاء مهمة من المشهد دون أن يحصلوا دائمًا على الضوء نفسه. أيمن إسماعيل ينتمي إلى هذه الفئة. فهو ممثل، وكاتب، ومؤلف، ومعد، وفنان تحرك بين المسرح والسينما والدراما والبرامج، ولم يحصر نفسه في مساحة واحدة. وتجربته تقول إن الفنان الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في وظيفة واحدة؛ لأن الإبداع في النهاية لا يعرف جدارًا يفصل بين ممثل وكاتب ومؤلف. أيمن إسماعيل.. حين يصبح الاستمرار بطولة ربما لا نتحدث كثيرًا عن الفنان الذي يستمر رغم الصمت، عن الفنان الذي يحتفظ بحبه للمهنة حتى عندما لا تمنحه المهنة ما يستحقه. لكن الحقيقة أن الاستمرار في حد ذاته بطولة. أن تظل تؤمن بموهبتك بعد سنوات من العمل، وأن تظل راغبًا في الوقوف أمام الكاميرا، وأن تظل قادرًا على الكتابة والتأليف، وأن تظل ترى الفن مهنة وحياة رغم قسوة الظروف؛ فهذا ليس أمرًا بسيطًا. أيمن إسماعيل يذكرنا بأن الفنان الحقيقي لا تنتهي حكايته بمجرد اختفاء اسمه من موسم أو موسمَين. فالفن ليس سباقًا على من يظهر أكثر، وإنما رحلة طويلة من التجربة والتراكم والقدرة على ترك أثر. هل آن الأوان لأن نعيد النظر في معنى «النجم»؟ ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف كلمة «نجم». هل النجم هو من يظهر يوميًا على الشاشات؟ أم هو من يستطيع، حتى في مساحة محدودة، أن يجعل المشاهد يصدقه؟ هل قيمة الفنان في عدد متابعيه؟ أم في عدد القلوب التي ترك فيها شيئًا لا يُنسى؟ إن كان الفن ذاكرة، فإن الفنانين الحقيقيين هم الذين يتركون داخل هذه الذاكرة أثرًا، حتى لو لم يحصلوا دائمًا على المساحة التي يستحقونها. وأيمن إسماعيل واحد من هؤلاء الذين تستحق تجربتهم أن تُقرأ بعيدًا عن ضجيج الترند، وبعيدًا عن حسابات النجومية السريعة. لأن وراء الفنان الذي نراه على الشاشة تاريخًا من المحاولات، ووراء الدور الذي نشاهده ساعات طويلة من التدريب والعمل، ووراء الكاتب الذي يكتب جملة يضحك بسببها الجمهور سنوات من التجربة والملاحظة. كلمة أخيرة قد تتغير صناعة الفن، وقد تتغير وجوه الشاشة، وقد تأتي أجيال جديدة بأسماء جديدة، لكن قيمة الفنان الذي أحب مهنته بصدق لا تسقط بتغير الزمن. أيمن إسماعيل لم يقل إنه يريد تعاطفًا، بل قال إنه يريد أن يعمل. وربما تكون هذه الجملة، في حد ذاتها، أصدق عنوان يمكن أن تُكتب تحته حكاية فنان. فالفنان الحقيقي لا يريد أن يُبكى عليه... إنه يريد فقط أن تُفتح له الستارة من جديد، وأن يُقال له: ما زال هناك دور ينتظرك.

اكتب تعليق