رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قصة سيدنا اّدم عليه السلام

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قصة سيدنا اّدم عليه السلام

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قصة سيدنا اّدم عليه السلام


بقم / المفكر العربي الدكتور خالد محمو عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

فِي قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَتَجَلَّى مَعَالِمُ الْأَدَبِ الرَّفِيعِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحْلَكِ اللَّحَظَاتِ وَأَشَدِّهَا وَقْعًا عَلَى النَّفْسِ؛ لَحْظَةِ الْمَعْصِيَةِ وَالتَّقْصِيرِ.

• ذَلِكَ الْأَدَبُ الْجَمُّ الَّذِي تَجَلَّى فِي دُعَاءِ آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، حِينَ قَالَا كَمَا حَكَى الْقُرْآنُ عَنْهُمَا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: 23]. فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى إِيجَازِهَا كُنُوزٌ مِنَ الْأَدَبِ الْإِيمَانِيِّ:

• فَأَوَّلُ مَا يَلْفِتُ النَّظَرَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَاشَرَ الْإِقْرَارَ عَلَى نَفْسِهِ مُبَاشَرَةً بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾. وَقَدْ نَبَّهَ الْمُفَسِّرُونَ إِلَى أَنَّ فِي هَذَا غَايَةَ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ؛ إِذْ نَسَبَ آدَمُ الْمَعْصِيَةَ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: “رَبِّ قَضَيْتَ عَلَيَّ وَقَدَّرْتَ”، كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ حِينَ قَالَ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الْأَعْرَافِ: 16]. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالتَّرْبِيَةِ: “إِنَّ مَنْ تَابَ أَشْبَهَ أَبَاهُ آدَمَ، وَمَنْ أَصَرَّ وَاحْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي أَشْبَهَ إِبْلِيسَ”. فَالْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ لَا يَتَّهِمُ قَدَرَ اللَّهِ، وَلَا يُلْقِي بِتَبِعَةِ ذَنْبِهِ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ يَبْدَأُ بِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْخَلَلَ فِيهَا لَا فِي حِكْمَةِ اللَّهِ.

• وَهُنَا يَبْرُزُ دَرْسٌ تَرْبَوِيٌّ عَظِيمٌ يَتَوَارَثُهُ الْمُؤْمِنُونَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ؛ فَالْقَاعِدَةُ الرَّاسِخَةُ أَنَّ الْخَطَأَ مِنْ طَبِيعَةِ الْبَشَرِ، وَأَنَّ الْعَارَ لَيْسَ فِي الْخَطَأِ بَلْ فِي الْإِصْرَارِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ تَمْحُو الذَّنْبَ وَتُعِيدُ الْعَبْدَ إِلَى مَوْلَاهُ طَاهِرًا نَقِيًّا. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”. فَأَدَبُ آدَمَ عَلَّمَنَا أَنَّ الْخَطَأَ لَيْسَ نِهَايَةَ الْمَطَافِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ بِدَايَةَ طَرِيقٍ إِلَى اللَّهِ أَصْدَقَ وَأَقْرَبَ، إِذَا صَحِبَهُ الِاعْتِرَافُ وَالْإِنَابَةُ. وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: “إِنَّمَا ابْتَلَى اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ بِالذُّنُوبِ؛ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِمْ بِالتَّوْبَةِ، وَتَبْلِيغًا لَهُمْ إِلَى مَحَبَّتِهِ وَفَرَحِهِ بِهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ أَشَدَّ فَرَحٍ”.

• وَقَدْ صِيغَ الِاعْتِرَافُ فِي قَالَبِ الْإِسْنَادِ إِلَى النَّفْسِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ﴿ظَلَمْنَا﴾، وَهُوَ مِنَ الْأَدَبِ أَيْضًا؛ إِذْ إِنَّ الْخَطَأَ لَمْ يَكُنْ خَطَأَ فَرْدٍ وَاحِدٍ، بَلِ اشْتَرَكَا فِيهِ، فَجَاءَ الِاعْتِرَافُ مُشْتَرَكًا، وَكَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَحَمَّلُ وِزْرَ أَخِيهِ مَعَهُ، فَلَا تُلْقَى التَّبِعَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. وَإِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ لَجَدِيرَةٌ بِأَنْ تُتَّهَمَ فِي مَوَاطِنِ الزَّلَلِ، وَأَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهَا التَّقْصِيرُ دُونَ رَبِّهَا. يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ: “إِنَّ آدَمَ لَمَّا اعْتَرَفَ بِالذَّنْبِ وَأَقَرَّ بِهِ، وَلَمْ يُلْقِ اللَّوْمَ عَلَى الْقَدَرِ، كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ اصْطِفَائِهِ وَاجْتِبَائِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: 121-122]. فَكَمَالُ آدَمَ إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِرَافِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَكُلَّمَا أَوْقَدَ إِبْلِيسُ نَارَ الْحَسَدِ لِآدَمَ، فَاَحَ بِهَا طِيبُ آدَمَ، وَاحْتَرَقَ إِبْلِيسُ بِحَسَدِهِ”.

• وَمِنْ لَطَائِفِ الْبَلَاغَةِ فِي هَذَا الِاعْتِرَافِ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ قَالَا: ﴿ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ وَلَمْ يَقُولَا: “عَصَيْنَا رَبَّنَا”، مَعَ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ قَدْ وَقَعَتْ فِعْلًا، وَهَذَا مِنَ التَّضْمِينِ الْبَدِيعِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ؛ فَفِي هَذَا مِنَ الْأَدَبِ مَا لَا يَخْفَى، إِذْ فِيهِ إِبْعَادٌ لِلَفْظِ الْمَعْصِيَةِ فِي حَقِّ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَإِلْصَاقٌ لِلظُّلْمِ بِالنَّفْسِ الَّتِي هِيَ أَهْلُهُ. فَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَحْيِي أَنْ يُوَاجِهَ رَبَّهُ بِالَفْظِ “عَصَيْتُكَ”، فَيَعْدِلُ عَنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَلْطَفُ: “ظَلَمْتُ نَفْسِي”. وَهَذَا مِنْ كَمَالِ الْأَدَبِ أَنْ يُخْفِيَ الْعَبْدُ مَا يَسُوءُ مَوْلَاهُ مَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.

● بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ آدَمُ وَحَوَّاءُ بِالذَّنْبِ، لَمْ يَقِفَا عِنْدَ حُدُودِ الِاعْتِرَافِ، بَلْ تَعَدَّيَاهُ إِلَى طَلَبِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، لَكِنْ بِأَيِّ شَيْءٍ طَلَبَاهُ؟ لَقَدْ طَلَبَاهُ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ الْمُسْتَوْجِبَةِ لِلرَّحْمَةِ، فَقَالَا: ﴿رَبَّنَا﴾، أَيْ: يَا رَبَّنَا الَّذِي رَبَّانَا بِنِعَمِهِ، وَتَوَلَّانَا بِرَحْمَتِهِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِالْجَنَّةِ، فَبِحَقِّ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي وَسِعَتْنَا بِالْإِنْعَامِ، اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا. ثُمَّ ثَنَّيَا بِالتَّوَسُّلِ إِلَى اللَّهِ بِوَصْفِ الْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ، فَقَالَا: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، أَيْ: إِنْ لَمْ تَسْتُرْ عَلَيْنَا ذَنْبَنَا، وَتَتَجَاوَزْ عَنْ عُقُوبَتِنَا، وَتَرْحَمْنَا بِقَبُولِ تَوْبَتِنَا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْهَالِكِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَسَعَادَتَهُمُ الْأَبَدِيَّةَ.

• وَهُنَا لَطِيفَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّ السُّؤَالَ قَدْ يَأْتِي بِصِيَغٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَقَدْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ الصَّرِيحِ: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا”، وَقَدْ يَأْتِي بِصِيغَةِ الْخَبَرِ عَنْ حَالِ السَّائِلِ، أَوْ عَنْ حَالِ الْمَسْؤُولِ، وَقَدْ يَأْتِي بِصِيغَةِ الشَّرْطِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَقَوْلُ آدَمَ وَحَوَّاءَ: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يَتَضَمَّنُ سُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ بِأَبْلَغِ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ اعْتِرَافًا بِأَنْ لَا نَجَاةَ إِلَّا بِهِمَا، وَفِيهِ تَفْوِيضٌ كَامِلٌ لِلْأَمْرِ إِلَى اللَّهِ، وَفِيهِ إِظْهَارٌ لِلِافْتِقَارِ الْمُطْلَقِ. وَقَدْ لَاحَظَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ جَاءَتْ بِجَوَابِ الْقَسَمِ ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ مَعَ تَقْدِيرِ لَامِ التَّوْطِئَةِ لِلْقَسَمِ: (لَئِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وَفِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّوْكِيدِ مَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْخَوْفِ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ، وَعُمْقِ الرَّجَاءِ فِي سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ.

• وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ حَذْفُ لَفْظِ الْمَفْعُولَيْنِ: “ذَنْبَنَا” بَعْدَ “تَغْفِرْ”، وَ”ضَعْفَنَا” بَعْدَ “تَرْحَمْ”، وَفِي هَذَا الْحَذْفِ مِنَ الْإِيجَازِ وَالْإِجْلَالِ مَا يَلِيقُ بِمَقَامِ الدُّعَاءِ؛ فَكَأَنَّ الْمَطْلُوبَ عَظِيمٌ لَا تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَةُ، أَوْ كَأَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَحْيِي أَنْ يُصَرِّحَ بِذَنْبِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَيَكْتَفِي بِالتَّلْمِيحِ بَعْدَ التَّصْرِيحِ. وَقَدْ لَاحَظَ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ أَنَّ الْحَذْفَ هُنَا أَدَلُّ عَلَى شِدَّةِ الْحَيَاءِ وَالْوَجَلِ مِنْ ذِكْرِ الذَّنْبِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِهِ. وَجَمَعَا بَيْنَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَإِنَّ الْمَغْفِرَةَ سَتْرٌ لِلذَّنْبِ وَوِقَايَةٌ مِنْ شَرِّهِ، وَالرَّحْمَةَ تَوْفِيقٌ لِقَبُولِ الطَّاعَةِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهَا، وَاصْطِفَاءٌ وَهِدَايَةٌ. فَالْمَغْفِرَةُ تُزِيلُ الْمَاضِيَ، وَالرَّحْمَةُ تَضْمَنُ الْمُسْتَقْبَلَ، وَلَا كَمَالَ لِأَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ، وَلِذَلِكَ عَلَّقَا الْخَسَارَةَ عَلَى انْتِفَائِهِمَا مَعًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

● تَتَجَلَّى قِيمَةُ أَدَبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكْثَرَ عِنْدَ مُقَارَنَتِهِ بِمَوْقِفِ إِبْلِيسَ اللَّعِينِ الَّذِي جَسَّدَ أَبْشَعَ صُوَرِ الِاحْتِجَاجِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ الذَّنْبِ. فَبَيْنَمَا قَالَ إِبْلِيسُ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الْأَعْرَافِ: 16]، مُتَّهِمًا قَدَرَ اللَّهِ، وَمُصِرًّا عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَمُصَرِّحًا بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهَا؛ نَجِدُ آدَمَ يَقُولُ بِلِسَانِ الْعَبْدِ الْمُنِيبِ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾، فَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَظْهَرَ النَّدَمَ، وَطَلَبَ التَّوْبَةَ. وَهَذِهِ الْمُقَارَنَةُ هِيَ مُقَارَنَةٌ بَيْنَ مَنْهَجَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ: مَنْهَجِ الْإِيمَانِ الَّذِي يُدْخِلُ صَاحِبَهُ فِي حَرَمِ الْأُنْسِ بِاللَّهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، وَمَنْهَجِ الِاسْتِكْبَارِ الَّذِي يَطْرُدُ صَاحِبَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَجْعَلُهُ فِي مَعْزِلٍ عَنْ فَضْلِهِ. فَمَا أَحْوَجَ الْعَبْدَ أَنْ يَتَفَقَّدَ قَلْبَهُ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ؛ هَلْ هُوَ مَعَ آدَمَ فِي الْأَدَبِ وَالْإِنَابَةِ، أَمْ مَعَ إِبْلِيسَ فِي الِاحْتِجَاجِ وَالْمُعَانَدَةِ؟

• وَإِذَا كَانَ إِبْلِيسُ قَدْ أَعْلَنَ الْحَرْبَ عَلَى اللَّهِ بِلِسَانِ التَّحَدِّي وَالِاسْتِكْبَارِ، فَإِنَّ آدَمَ أَعْلَنَ الْعُبُودِيَّةَ بِلِسَانِ الذُّلِّ وَالِافْتِقَارِ. وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ مَنْ نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ فَمَا وَجَدَ فِيهَا عَيْبًا، وَمَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ النَّقْصِ فَمَا وَجَدَ فِيهَا كَمَالًا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “مَا أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا إِلَّا وَكَانَ أَصْلُ ذَنْبِهِ أَنَّهُ جَهِلَ شَيْئًا مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ، أَوْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْ نَقْصِ نَفْسِهِ”. وَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ عَلِمَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْحَيَاءَ وَالْخَوْفَ، وَعَلِمَ مِنْ نَقْصِ نَفْسِهِ مَا أَوْجَبَ لَهُ الِاعْتِرَافَ وَالنَّدَمَ.

● وَلَا يَقِفُ دَرْسُ الْقِصَّةِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ يَتَجَاوَزُهُ إِلَى قَاعِدَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ وِقَائِيَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قُرْبِ الشَّيْءِ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ فِي الْقُرْبَانِ وُقُوعًا فِي حَبَائِلِ الْمَعْصِيَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الْأَعْرَافِ: 19]، وَلَمْ يَقُلْ: “وَلَا تَأْكُلَا مِنْهَا”. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ تَقُومُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَالْبُعْدِ عَنْ مَوَاطِنِ الشُُّبُهَاتِ، وَتَرْكِ مَا يَجُرُّ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّ مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى أَوْشَكَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ.

● وَفِي الْقِصَّةِ تَحْذِيرٌ كَذَلِكَ مِنْ غَفْلَةِ الْإِنْسَانِ عَنْ عَدُوِّهِ الشَّيْطَانِ، الَّذِي أَقْسَمَ لآدَمَ وَحَوَّاءَ أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُمَا، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي يَمِينِهِ، غَاشٌّ فِي نُصْحِهِ. وَإِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ لَيُدْرِكُ خُطُورَةَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْدَأُ بِالْإِغْوَاءِ مُبَاشَرَةً، بَلْ يَتَدَرَّجُ فِيهِ، وَيُزَيِّنُ الْقَبِيحَ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ بِاللَّهِ، حَتَّى يُوقِعَ الْعَبْدَ فِي الْمَعْصِيَةِ. فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ خِدَاعِهِ؛ فَهُوَ عَدُوٌّ بَيِّنُ الْعَدَاوَةِ.

● وَأَخِيرًا، فَإِنَّ دَرْسَ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِالْيَقِينِ بِأَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ دَائِمًا، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَمَرَ عِبَادَهُ بِالتَّوْبَةِ إِلَّا لِيَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَمَا أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ إِلَّا لِيَغْفِرَ لَهُمْ، وَمَا أَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ إِلَّا لِيُجِيبَهُمْ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ.

● وَهَكَذَا يَبْقَى أَدَبُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مُوَاجَهَةِ خَطِيئَتِهِ نِبْرَاسًا لِذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ يُعَلِّمُهُمْ كَيْفَ يَكُونُ الْعَبْدُ مَعَ رَبِّهِ فِي حَالِ الزَّلَلِ، وَكَيْفَ يَقْرَعُ بَابَ مَغْفِرَتِهِ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ، وَلِسَانٍ مُقِرٍّ، وَذُلٍّ وَانْكِسَارٍ. إِنَّهُ أَدَبٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الِاعْتِرَافِ بِالذَّنْبِ، وَالرَّجَاءِ فِي الرَّحْمَةِ، وَالْخَوْفِ مِنَ الْخَسَارَةِ، وَالْيَقِينِ بِأَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ. فَاللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مِنْ أَدَبِ أَنْبِيَائِكَ، وَارْزُقْنَا صِدْقَ الْإِنَابَةِ إِلَيْكَ، وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ

 

اكتب تعليق