بقلم آية محمود رزق
حين نكتب عن مؤسسات الدولة لا يكفي أن نذكر اسم المؤسسة أو نعدد اختصاصاتها ثم نغلق الصفحة لأن وراء كل مؤسسة رجالًا ونساءً يحملون مسؤولية ثقيلة ويواجهون تفاصيل يومية لا يراها المواطن وربما لا يدرك حجمها كاملة ومن بين هذه المؤسسات تأتي النيابة الإدارية التي تمثل أحد أهم أعمدة الرقابة داخل الدولة المصرية وتؤدي دورًا يتجاوز مجرد التعامل مع المخالفات إلى حماية المال العام وصون المرافق العامة ومواجهة أوجه القصور والانحراف داخل الجهاز الإداري للدولة والعمل على أن تظل الوظيفة العامة في مكانها الصحيح باعتبارها مسؤولية وخدمة للوطن والمواطن
النيابة الإدارية تتحرك في مساحة شديدة الحساسية لأن ما تتعامل معه لا يتعلق بأوراق بعيدة عن حياة الناس وإنما بوقائع قد ترتبط بمصلحة مواطن أو خدمة عامة أو مال من أموال الدولة أو أداء موظف داخل مؤسسة من مؤسساتها ولذلك فإن كل ملف يصل إليها يحمل وراءه مسؤولية حقيقية وكل واقعة تحتاج إلى فحص دقيق وكل معلومة تحتاج إلى التحقق منها قبل الوصول إلى نتيجة فالعمل هنا لا يحتمل التسرع كما لا يحتمل الإهمال لأن القرار الذي يصدر بعد فحص أي واقعة قد تكون له آثار تتجاوز أطرافها لتصل إلى المؤسسة والمواطن والمصلحة العامة
ومن هنا تظهر قيمة النيابة الإدارية في كونها عينًا رقابية تتابع ما يحدث داخل الجهاز الإداري وتتعامل مع أوجه الخلل بهدف حماية انتظام العمل ومواجهة الإهمال والتقصير والحفاظ على المال العام فالدولة لا تستطيع أن تحقق إدارة قوية بمجرد إصدار التعليمات وإنما تحتاج إلى رقابة تتابع التنفيذ ومؤسسات تستطيع أن تكشف الخلل وتتعامل معه وتدفع نحو تصحيح المسار
لكن خلف هذا الدور الكبير توجد مسؤولية لا يراها كثيرون فعضو النيابة الإدارية لا يتعامل مع ملف واحد أو واقعة واحدة في كل وقت وإنما أمامه ملفات متعددة ووقائع مختلفة وشكاوى تحتاج إلى قراءة وفحص وتحقيق ومراجعة وكل ملف قد يحمل تفاصيل متشابكة تحتاج إلى وقت وجهد وتركيز شديد ولذلك فإن طبيعة العمل نفسها تضع على عاتق عضو النيابة مسؤولية كبيرة وتفرض عليه أن يجمع بين سرعة الإنجاز ودقة الفحص وأن يحافظ في الوقت نفسه على الحياد والموضوعية
المعاناة الحقيقية في هذا العمل ليست مجرد ساعات طويلة أو كثرة أوراق وإنما في حجم المسؤولية النفسية والمهنية التي يحملها عضو النيابة وهو يعلم أن أي خطأ في التقدير أو أي تسرع قد يؤثر في حقوق أشخاص أو في مصلحة مؤسسة أو في المال العام ولهذا فإن العمل داخل النيابة الإدارية يحتاج إلى قدر كبير من التركيز والصبر والانضباط والقدرة على التعامل مع ضغوط الملفات دون أن تؤثر الضغوط في موضوعية العمل
كما أن طبيعة القضايا والوقائع التي يتم التعامل معها تفرض تحديات مختلفة فهناك ملفات تتعلق بمؤسسات خدمية وهناك ملفات تمس المال العام وهناك وقائع مرتبطة بسوء الأداء أو الإهمال أو التقصير وفي كل حالة يجب النظر إلى التفاصيل بعناية وعدم التعامل مع الأمر باعتباره مجرد ورقة جديدة تضاف إلى ملف وإنما باعتباره واقعة قد يكون خلفها مواطن ينتظر إنصافًا أو مؤسسة تحتاج إلى إصلاح أو حق عام يجب الحفاظ عليه
ومع اتساع نطاق العمل الإداري وتطور الخدمات الحكومية والتحول الرقمي أصبحت المسؤولية أكثر تعقيدًا فالإدارة الحديثة تخلق أنماطًا جديدة من المعاملات والبيانات والإجراءات وهو ما يتطلب تطوير أدوات الفحص والتحقيق ومواكبة التكنولوجيا وعدم الاكتفاء بالأساليب التقليدية فالرقابة التي تحمي مؤسسات الدولة اليوم يجب أن تكون قادرة على فهم طبيعة الدولة الحديثة وآليات عملها الجديدة
وهنا تظهر واحدة من أهم التحديات وهي تحقيق التوازن بين سرعة إنجاز الملفات وبين الوصول إلى الحقيقة بصورة دقيقة فالسرعة مطلوبة حتى لا تتعطل مصالح الناس ولكن الدقة أكثر أهمية حتى لا يتم اتخاذ موقف بناء على معلومات ناقصة أو صورة غير مكتملة ولذلك فإن العمل الرقابي الحقيقي يحتاج إلى عقل هادئ يعرف أن كل تفصيلة قد تكون مؤثرة وأن الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى قراءة متأنية وفهم كامل للواقعة
والأهم من كل ذلك أن النيابة الإدارية لا تعمل بمعزل عن المجتمع فكلما زاد وعي المواطن بأهمية الإبلاغ عن أوجه الخلل وكلما أصبح أكثر معرفة بحقوقه وواجباته أصبح دور الرقابة أكثر فاعلية لأن مكافحة الفساد والإهمال ليست مسؤولية مؤسسة واحدة وإنما مسؤولية مجتمع كامل يتعاون مع مؤسسات الدولة من أجل حماية المصلحة العامة
وقد يختصر البعض دور النيابة الإدارية في كلمة واحدة هي “المحاسبة” لكن الحقيقة أن دورها أوسع من ذلك بكثير لأن المحاسبة في حد ذاتها ليست الهدف النهائي وإنما وسيلة للحفاظ على الانضباط وتصحيح الخلل ومنع تكراره وبناء جهاز إداري أكثر قدرة على أداء رسالته فالمؤسسة الرقابية الناجحة ليست التي تكتشف الخطأ فقط وإنما التي تسهم في أن يصبح اكتشاف الخطأ بداية للإصلاح
ومن هنا يمكن فهم المعنى الحقيقي للمسؤولية التي يتحملها أعضاء النيابة الإدارية فهم يعملون في منطقة تحتاج إلى قدر كبير من الحزم دون تعسف وإلى الدقة دون تعطيل وإلى سرعة دون تسرع وإلى قوة في مواجهة المخالفة مع الحفاظ على الموضوعية والإنصاف وهذه المعادلة ليست سهلة لأنها تتطلب خبرة وتركيزًا وإيمانًا بأن العمل الذي يقومون به له أثر مباشر على المجتمع والدولة
إن حماية المال العام ليست مهمة بسيطة وحماية حقوق المواطنين ليست مسؤولية عابرة والحفاظ على انضباط الجهاز الإداري يحتاج إلى جهود مستمرة ولذلك فإن الحديث عن النيابة الإدارية يجب ألا يكون حديثًا عن مؤسسة فقط وإنما عن رسالة وطنية تحمل في داخلها مسؤولية حماية جانب مهم من الدولة المصرية
وفي النهاية فإن قوة النيابة الإدارية لا تظهر فقط في الملفات التي تتعامل معها وإنما في الأثر الذي تتركه داخل الجهاز الإداري وفي الرسالة التي تصل إلى كل موظف بأن الوظيفة العامة تكليف وليست امتيازًا وأن المال العام أمانة وأن المواطن صاحب حق وأن الخطأ عندما يقع لا يجب أن يتحول إلى أمر معتاد وأن الرقابة ليست خصومة مع الموظف وإنما حماية للمؤسسة وللمواطن وللدولة
وربما تكون أصعب لحظات هذا العمل هي تلك التي لا يراها أحد حين ينتهي يوم طويل من الفحص والتحقيق وتظل هناك ملفات أخرى تنتظر ووقائع أخرى تحتاج إلى التدقيق ومسؤولية لا تسمح بالتعامل معها باستخفاف لأن خلف كل ملف قصة وخلف كل شكوى إنسان وخلف كل مخالفة مصلحة عامة يجب الحفاظ عليها ولذلك فإن المعاناة هنا ليست عنوانًا للشكوى وإنما جزء من ثمن أداء رسالة ثقيلة تحتاج إلى أصحاب ضمير وإرادة وقدرة على تحمل المسؤولية
فالنيابة الإدارية ليست فقط جهة تبحث عن الخطأ وإنما مؤسسة تبحث عن الحقيقة وتحمي المال العام وتدافع عن انتظام العمل الإداري وتساند حق المواطن في الحصول على خدمة عادلة ومنضبطة وبين الملفات المتراكمة وضغط المسؤولية ودقة الفحص تظل رسالتها واحدة حماية المصلحة العامة وترسيخ الانضباط وبناء دولة تكون فيها سيادة القانون والمساءلة والنزاهة واقعًا يلمسه المواطن قبل أن يقرأ عنه في صفحات الصحف.ال
النيابة الإدارية.. رسالة وطنية بين حماية المال العام وتحديات تحقيق العدالة الإدارية
Aya Mahmoud Rezq
0
الوسوم
فى دائرة الضوء

إرسال تعليق