رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السلوك والمجتمع

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السلوك والمجتمع

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السلوك والمجتمع


بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

إضاءات في الإنسان والمجتمع

حين تنفصل القيم عن السلوك

قد يؤمن الإنسان بالعدل، ثم يقبل ممارسة يعلم أنها ظالمة. وقد يرفض المحاباة، ثم يبحث عنها عندما يشعر أن حقه لن يصل إليه بغيرها.

فكيف ينتقل الإنسان من رفض السلوك إلى ممارسته، دون أن يتخلى بالضرورة عن القيمة التي يؤمن بها؟

لنتأمل مؤسسة تعلن أن الكفاءة أساس الترقية، ثم تمنح المنصب لمن يملك علاقة بصاحب القرار، لا لمن يستحقه.

في المرة الأولى، قد يرى العاملون ما حدث مخالفة تستحق الاعتراض. لكن ماذا لو تكرر الأمر، ولم يُحاسَب صاحب القرار؟

هنا لا تتغير فرص الترقية وحدها، بل قد يتغير فهم العاملين للطريقة التي تعمل بها المؤسسة.

فالموظف الذي كان يرفض المحاباة قد يبدأ بالقول: «الجميع يفعل ذلك»، أو «لن أحصل على حقي إن لم أبحث عن واسطة».

وهنا يقع تحول يستحق الانتباه: لم تعد المخالفة مجرد سلوك يراه صاحبه خاطئًا، بل أصبح يبحث لها عن مبرر يجعلها مقبولة في نظره.

وليس كل من يتعرض للظلم يسلك هذا الطريق. فقد يعترض، أو يطالب بحقه عبر إجراء مشروع، أو يغادر المؤسسة، أو يتمسك بمبدئه رغم الكلفة.

لكن الفرق مهم بين من يستخدم حقه في الاعتراض، ومن يحاول الحصول على امتياز غير مستحق ثم يسميه استعادةً لحقه.

ومع تكرار المحاباة، قد تتسع المشكلة من قرار ظالم إلى نمط يؤثر في سلوك العاملين؛ فتتراجع الثقة بالكفاءة، ويزداد الاهتمام بالقرب من أصحاب النفوذ.

وهكذا يصبح الخلل قادرًا على الاستمرار، لا لأن الجميع اقتنعوا بأنه صحيح، بل لأن بعضهم اعتاد التعامل معه بوصفه الطريقة التي تسير بها الأمور.

وهذا هو موضع الانقطاع الأخطر: أن تبقى القيمة حاضرة في الكلام والضمير، بينما تتشكل الممارسة اليومية على خلافها.

ولا يبدأ هذا الانقطاع من المؤسسة وحدها.

فالإنسان يحمل إلى الموقف ما تشكّل لديه من تربية وقدوة وعادات، وما اكتسبه من قدرة على ضبط نفسه ومراجعة اختياراته. وقد تعزز الأسرة والمدرسة هذه القدرة أو تضعفانها، كما تتأثران بدورهما بالظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة.

لكن في مثال الترقية، لا تتساوى مسؤولية هذه البيئات مع مسؤولية من منح المنصب بالمحاباة.

فصاحب القرار يملك سلطة منح الامتياز، والجهة المختصة بالمحاسبة تملك صلاحية فحص القرار، أما الموظف المتضرر فلا يملك بالضرورة تغيير القاعدة أو ضمان إنصافه.

لذلك ينبغي أن تُقدَّر المسؤولية بحسب الفعل والقدرة والسلطة المتاحة، لا أن تُوزع بالتساوي لمجرد أن الجميع يؤثرون في المجتمع.

ويبقى الفرد مسؤولًا عن اختياره في حدود استطاعته، لكن مطالبته بالاستقامة لا تعفي من يملك القرار من واجب العدل.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

فالعدل لا يصبح أقل وجوبًا عندما تتكرر مخالفته، ولا تتحول المحاباة إلى حق لمجرد أن الناس اعتادوها.

وإذا أردنا معالجة الخلل في هذه المؤسسة، فلن يكفي تذكير الموظفين بقيمة الأمانة؛ بل يجب فحص معايير الترقية، وإتاحة الاعتراض، ومحاسبة من يسيء استعمال صلاحياته.

فهذه الإجراءات لا تصنع الإنسان الصالح وحدها، لكنها تمنع أن تصبح مخالفة القيمة طريقًا مضمونًا للامتياز.

إن أخطر ما قد يصيب القيم ليس أن ينكرها الناس، بل أن يتعلموا التعايش مع مخالفتها، ثم يجدوا اللغة التي تبرر هذا التعايش.

وحين نريد تصحيح السلوك، ينبغي أن نبحث عن الموضع الذي تحول فيه الخطأ من استثناء يُستنكر إلى ممارسة تُقبل أو يُتسامح معها.

فقد يبدأ التصحيح من تربية الإنسان، وقد يبدأ من محاسبة صاحب القرار، وقد يحتاج إلى الأمرين. لكن تحديد البداية لا يكون بشعار عام، بل بمعرفة أين يقع الخلل، ومن يملك القدرة على تغييره.

نحن لا نبحث عن تأييد الفكرة، بل عن اختبارها.

 

اكتب تعليق