رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الفكر العالمى فى الميزان



بقلم \ المفكرالعربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن النظام العالمي الجديد يهدف إلى تعميم النموذج الغربي، سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وعلميًّا، وفَرْض سيطرته وهيمنته على الشعوب المستضعفة، ولا سيما الشعوب الإسلامية المغلوبة على أمرها[1]، مع السعي إلى اختراق خصوصيات الغير، وطمس القسمات التي تشكل منها شخصيات الأمم والشعوب الأخرى.
ويسخِّر أنصار هذا النموذج كل إنجازاتهم العلمية والتقنية وقدراتهم الاقتصادية، وإمكاناتهم الإعلامية، بل وقوتهم العسكرية إذا اقتضى الأمر - لفرض تصوراتهم الخاصة عن السلام والأمن وحقوق الإنسان، وغير ذلك من القضايا[2].
ويعتمد أنصار هذا النموذج - فيما يتعلق بالحرية الدينية - على نص المادة الثامنة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[3]، وتقضي بأن "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء أكان ذلك سرًّا أم جهرًا، منفردًا أم مع جماعة".
والذي يدعونا إلى التشكك في مصداقية هذا الفكر: أن هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقرر في سنة 1948م، بعد أشهر من نكبة فلسطين التي اعترفت فيها الجمعية العامة ومجلس الأمن بإقامة دولة يهودية تضم مهاجرين من شتى دول العالم، يختلفون في اللغة والعادات والتقاليد، على أرض يعيش عليها عرب تجمعهم اللغة والعادات والتقاليد منذ مئات السنين، فاقتلعوهم من جذورهم بواسطة عصابات صهيونية أمدتها دول العالم المتحضر بالسلاح الذي ارتكبوا به مذابحهم البشعة، وبالمال الذي بنَوْا به دولتهم، وما زالت هذه الدول تدعمهم في التسلح والاستيطان وتغيير معالم الأرض المقدسة، وهم يرون أصحاب الأرض لاجئين مشردين.
ويدعونا إلى نبذ الفكر العالمي الجديد ذلك التدخل السافر في شؤون الآخرين، وغزو بلدان الآمنين، وتدمير الحضارات، وانتهاب الثروات، بادعاء حجج ثبت زيفها، وتقديم مسوغات بَانَ فسادها، ثم تقبل الأمم المتحدة هذا الواقع، فتسبغ عليه الشرعية الدولية، وتمنحه الغطاء القانوني العالمي.
ويؤكد فساد هذا الفكر العالمي تناقض صريح في مضمونه وفي نتائجه: إنه يبيح الشذوذ الجنسي ويحميه، ثم يضج بالشكوى من استشراء طاعون العصر (الإيدز) وحصده لملايين الأنفس، إنه يبيح حرية التدخين ويحميها، ثم يضج بالشكوى من سرطان الرئة الذي قتل خمسين مليونًا من المدخنين في عام 2007م، إنه يناضل لإلغاء عقوبة الإعدام في كل مكان، ثم يسمح ويناصر اغتيال من يدافعون عن حقوقهم السليبة، مهما وصلت إليه بشاعة وسائل الاغتيال.
إنه يدعو إلى إشاعة الأمن والأمان؛ في حين يعتنق نظرية الفوضى البناءة التي تؤدي إلى إزهاق الأنفس، وهلاك الحرث والنسل والعمران، الحرية في النظام العالمي لا تعترف بالآخر، بل تنكر حقه في الاحتفاظ بخصوصياته الثقافية والاجتماعية! وفي هذا من التطرف والتعصب ما يجعلنا ننظر بعين الشك والريبة إلى الفكر العالمي، ولا نعده مثالاً يحتذى، بل نستحضر قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ [هود: 118، 119].
________________________________________
[1] أحمد فؤاد باشا، الإسلام والعولمة - مفاهيم وقضايا، كتاب الجمهورية/ القاهرة: 2000م، ص 133 - 136.
[2] المرجع نفسه، ص 135.
[3] الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 /12 /1948م.

اكتب تعليق

أحدث أقدم