المرأة بين مطرقة العلاقات وسندان السوشيال ميديا: حين يتحول القلب إلى محتوى والحنين إلى إشعار
بقلم: آية محمود رزق
في السنوات الأخيرة، شهدنا تغيّرًا جوهريًا في الطريقة التي تُبنى بها العلاقات، وكيف ترى المرأة نفسها من خلالها. لم يعد الحُب حُبًا كما اعتدناه، ولم تعد العلاقة مساحة للتواصل الصادق بل تحولت إلى واجهة رقمية، تُنسق بعناية وتُبث للعالم وكأنها إعلان مدفوع. لقد تحوّلت العلاقات إلى محتوى، والمرأة إلى "براند" يُسوّق للعاطفة. في عالم تسيطر عليه السوشيال ميديا، لم تعد المشاعر تُعاش في القلب، بل تُوثّق في القصص اليومية، ويُقاس عمق العلاقة بعدد المشاركات لا بعدد المواقف التي صمد فيها الطرفان سويًا.
كل "لايك" على صورة تجمع امرأة بحبيبها هو أشبه بتصفيق جماهيري لحياة لا يعرفون حقيقتها. كل تعليق من نوع "كابل الأهداف" يُزيد من ثقل التوقعات، ويضيف على المرأة عبئًا جديدًا: أن تظل سعيدة أمام الناس، حتى لو كانت منهارة في الواقع. في هذا السياق، تصبح المرأة مسؤولة عن تزييف الواقع من أجل إرضاء معايير غير مرئية تفرضها المنصات الاجتماعية.
تقول دراسة نشرها مركز Pew Research عام 2024 إن ما يقرب من 67% من النساء الشابات يشعرن بالضغط لنشر صور لحياتهن العاطفية حتى وإن كنّ غير مرتاحات لذلك. وتؤكد الدراسة أن التفاعل الرقمي مع المحتوى العاطفي يُسبب زيادة في القلق، والمقارنة، والشعور بالنقص، خاصة عندما ترى النساء محتوى علاقات مثالية مزعومة، لا ينعكس منها شيء في واقعهن.
في هذا المشهد، تصبح المرأة محاصَرة بين مطرقة علاقات لا تُشبهها، وسندان ثقافة تُطالبها أن تكون "مرئية" دائمًا، مشرقة دائمًا، ناجحة في الحب حتى ولو كان على حساب صحتها النفسية. تصبح العلاقة مرآة لا ترى فيها نفسها بل ترى فيها ما يريد الآخرون أن تراه: صورة جميلة، وابتسامة مصفّاة، ورجل يكتب "أحبك" في التعليقات لكنه لا يسمعها حين تبكي في الليل.
المفارقة الكبرى أن هذا "الاستعراض العاطفي" لا يولّد الاطمئنان، بل العكس. فهو يدفع المرأة إلى الشك المستمر في ذاتها: هل أنا كافية؟ لماذا لا يُظهرني شريكي كما يظهر الرجال الآخرين نساءهم؟ هل الحب الحقيقي يُنشر؟ ولماذا إذا لم أنشر شيئًا عن حبي أُتهم بأنني أعيش في علاقة سرية أو سامة؟ هكذا يتحول الحُب من تجربة داخلية نابضة إلى مشروع إثبات وجود اجتماعي.
المشكلة أعمق من السوشيال ميديا، فهي تمتد إلى ثقافة تربّت فيها المرأة على أن الحب يمنحها القيمة، وأن العلاقة الجيدة هي التي تُظهرها للعالم باعتبارها "محبوبة"، لا باعتبارها إنسانة تملك ذاتًا مستقلة. هذا التصور يضع المرأة في دوامة البحث الدائم عن علاقة تُرمم بها نظرة المجتمع إليها، لا عن علاقة تُرمم بها ذاتها المشتتة.
وفي خضم هذه الدوامة، لا يعود واضحًا ما إذا كانت المرأة تختار العلاقة فعلاً، أم تختار الصورة التي تريد أن تظهر بها في العلاقة. ولا يصبح الشريك ضرورة روحية أو نفسية، بل أحيانًا مجرد "شريك تصوير" لتكملة المشهد الرقمي المتقن.
لكن ماذا عن العلاقات الحقيقية؟
العلاقات التي لا تُنشر، التي تعيش في الظل لكنها مزدهرة في الداخل؟ ماذا عن الحُبّ الذي لا يحتاج إثباتًا ولا توثيقًا؟
المرأة تستحق علاقة لا تُشبه الإعلانات، بل تشبه قلبها. تستحق أن تُحبّ دون ضغط على زر "مشاركة"، أن تُحتضن دون جمهور، أن تبكي وتضحك دون أن تكون مضطرة لتعديل الفلاتر.
وفي المقابل، على المجتمع أن يُعيد النظر في كيفيّة تقييم المرأة: لا بناءً على علاقتها، ولا على مدى ظهورها، بل على وعيها بذاتها، واستقلالها، وقدرتها على العيش لنفسها أولاً، لا لعيون الآخرين. على المرأة أن تتصالح مع فكرة أنها لا تحتاج إلى عرض مشاعرها لتثبت أنها محبوبة. فالحب الصادق لا يحتاج جمهورًا. والحقيقة أن كل امرأة لا تنشر عن علاقتها لا تعني بالضرورة أنها لا تُحب، بل قد تعني أنها أكثر وعيًا، أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على حماية مشاعرها من التلوث البصري الذي يفرضه هذا العالم الرقمي.
في النهاية، ليس المطلوب من المرأة أن تنعزل عن العالم الرقمي، بل أن تفهم حدوده. أن تتعلم أن هناك أشياء أثمن من النشر، ومشاعر أقدس من المشاركة العامة. أن الحب الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعجابات، بل بعدد المرات التي شعرت فيها بالأمان والصدق، ولو كانت وحدها في غرفة باردة، لا يشهدها أحد.
ليس كل ما يُرى حقيقياً، وليس كل ما يُخفى مزيفاً.
وستظل المرأة أجمل حين تحب في صمت، وتعيش في عمق، وتختار أن تكون حرة لا محتوى.
إرسال تعليق