مهنة المحاماة تحت الضغط كيف يصمد المحامي نفسيًا ويحافظ على اتزانه المهني
بقلم: آية محمود رزق
في عالم يبدو من الخارج منظمًا ومحكومًا بالنصوص والقوانين يعيش المحامي واقعًا مختلفًا تمامًا واقعًا مليئًا بالتوتر والضغط النفسي والعمل الذهني المستمر ومسؤوليات لا تتوقف عند باب المحكمة بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية فالمحامي لا يحمل ملف قضية فقط بل يحمل مصائر أشخاص وقلقهم وخلافاتهم وأحيانًا غضبهم وأحلامهم المؤجلة ويبدأ يومه غالبًا يفكر في أكثر من قضية وأكثر من موعد وأكثر من قرار وكل قرار له ثمن نفسي وذهنب ومهني والسؤال الذي يفرض نفسه هنا كيف يمكن لإنسان يعمل تحت هذا الثقل اليومي أن يحافظ على اتزانه النفسي ويستمر في أداء دوره باحتراف دون أن يدفع صحته ثمنًا صامتًا لا يراه أحد ؟
يكمن جوهر المشكلة في أن الضغط النفسي في مهنة المحاماة ليس طارئًا ولا مؤقتًا بل هو جزء أصيل من طبيعة العمل ضغط الوقت والتوقعات والخصوم والعملاء والنتائج والإحساس الدائم بالمسؤولية. فالمحامي مطالب بأن يكون حاضر الذهن سريع التحليل دقيق القرار وفي الوقت نفسه مطالب بالتماسك النفسي مهما كانت الظروف .
ويطرح السؤال الأهم هل هذا ممكن دون أدوات دعم حقيقية؟
يكشف الواقع أن كثيرًا من المحامين يتعاملون مع الضغط بأسلوب الصمت والتجاهل ظنًا أن التحمل وحده دليل القوة بينما الحقيقة أن تراكم الضغط دون تفريغ أو وعي قد يتحول مع الوقت إلى إرهاق مزمن أرق توتر دائم فقدان تركيز وأحيانًا انسحاب داخلي من المهنة نفسها ويظهر هنا سؤال أكثر عمقًا كيف يمكن للمحامي أن يتغاضى عن الضغط النفسي دون أن ينكره وكيف يحوله من عبء مستنزف إلى عامل يمكن السيطرة عليه؟
الفرق هنا جوهري بين التجاهل الواعي للضغط وبين إنكاره فالتغاضي الصحي يعني إدراك الضغط أولًا ثم التعامل معه بوعي وتنظيم وإعادة ترتيب الأولويات لا الهروب منه أو دفنه تحت ساعات عمل أطول ويبدأ الحل من داخل المهنة نفسها حين يدرك المحامي أن الكفاءة لا تعني الاستنزاف وأن الاحتراف لا يتناقض مع حماية الصحة النفسية بل يعتمد عليها ويصبح السؤال التالي ما هي الأدوات الواقعية التي يمكن أن تساعد المحامي على الصمود النفسي دون الإخلال بالتزاماته المهنية؟
يشير التحليل إلى أن أول هذه الأدوات هو إدارة الوقت بصرامة واعية لا تقوم على العمل المتواصل بل على توزيع الجهد ووضع حدود واضحة بين العمل والحياة الخاصة حتى لو كانت هذه الحدود مرنة أحيانًا والأداة الثانية هي بناء شبكة دعم مهنية حقيقية داخل الوسط القانوني تقوم على تبادل الخبرات لا المنافسة الصامتة لأن العزلة المهنية أحد أكبر مصادر الضغط غير المرئي والأداة الثالثة هي الوعي النفسي الذاتي أي قدرة المحامي على ملاحظة علامات الإرهاق المبكر والتعامل معها قبل أن تتحول إلى أزمة وهو أمر لا ينتقص من المهنية بل يعززها .
ويطرح هنا سؤال جوهري لماذا لا تزال الصحة النفسية للمحامي موضوعًا مسكوتًا عنه رغم أنها تؤثر مباشرة على جودة العدالة .
يكشف الواقع أن ثقافة العمل القانوني في كثير من المجتمعات العربية لا تزال تربط القوة بالتحمل المطلق بينما تغفل أن العدالة تحتاج إلى عقل متزن لا منهك وأن المحامي المرهق نفسيًا قد يفقد جزءًا من قدرته على التحليل الدقيق واتخاذ القرار السليم ويبرز هنا دور المؤسسات القانونية والنقابات المهنية في خلق بيئة عمل أكثر وعيًا عبر التدريب المستمر وبرامج الإرشاد المهني والنفسي دون وصم أو تقليل من شأن المحامي ويظل السؤال الأخير مفتوحًا إلى متى يظل المحامي مطالبًا بأن يكون قويًا بصمت بينما يمكن تحويل هذه القوة إلى وعي واستدامة مهنية حقيقية .
والإجابة تكمن في إعادة تعريف النجاح في مهنة المحاماة ليس بعدد القضايا فقط بل بقدرة المحامي على الاستمرار بكرامة واتزان وحضور ذهني كامل فالمحامي الذي يحمي نفسه نفسيًا هو في الحقيقة يحمي العدالة ذاتها ويضمن أن تبقى المهنة قائمة على العقل لا على الاستنزاف وعلى الوعي لا على الإنهاك
إرسال تعليق