خرائط القلب:الأماكن التي لا تراها الأقمار الصناعية.بقلم اد ابراهيم مصطفى

خرائط القلب:الأماكن التي لا تراها الأقمار الصناعية.بقلم اد ابراهيم مصطفى



خرائط القلب:
الأماكن التي لا تراها الأقمار الصناعية.

في مدرجات كأس العالم، كان آلاف المصريين والمغاربة وغيرهم من أبناء الجاليات العربية والأجنبية يركضون عبر المدن والولايات والحدود وراء منتخباتهم الوطنية ، كأنهم لا يذهبون إلى مباراة، بل يعودون إلى موطنهم الأول، يعيشون في بلاد المهجر، يحملون إقامات وجنسيات وعناوين جديدة، لكن علمًا واحدًا، ونشيدًا واحدًا، كانا كافيين لأن يوقظا فيهم جغرافيا أعمق من الجغرافيا المستأجرة.

ما الذي جعل المسافة تتلاشى؟ وما الذي جعل إنسانًا قطع آلاف الكيلومترات من وطنه يشعر وهو في مدرج بعيد أنه أقرب إلى وطنه من بيته الذي هو في المدينة التي يعيش فيها؟

لماذا نعرف إحداثيات المكان، ولا نعرف إحداثيات الحنين؟
وهل الحنين هو حنينٌ إلى الزمن... أم إلى مكانٍ لا يزال يقيم في داخلنا لا تعترف خرائطه بمقياس الرسم، ولا تخضع حدوده لقوانين القرب والبعد، لأن إحداثياته تبدأ من الوجدان لا من خطوط الطول أو دوائر العرض.

من هذه الزاوية ربما كانت أول أخطاء الجغرافيا أنها افترضت أن المكان يبدأ من الأرض، حيث تبدأ مواقع الأماكن من اليابسة والبحار، ومن الموقع والموضع . أما في جغرافيا الوجدان فإن إحداثيات المكان لا تبدأ من الأرض، بل من القلب؛ من علاقة، أو ذكرى، أو فقد، أو صوت قديم يعيد الإنسان فجأة إلى موطنه الأول مهما كانت المسافة .
ولهذا لا تبدو المدرجات، في مثل هذه اللحظات، مجرد مقاعد للمشاهدة، إنها تتحول إلى مجال جغرافي واسع يطل الناس منه على الوطن، يسكنون فيه و يغنون فيها بلغتهم الأولى، يرفعون أعلامهم،  يستعيدون روائح البيوت، ووجوه الذين غابوا عنهم .. لا يكونون لحظتها في أمريكا أو كندا بل في مكان ثالث؛ مكان لا ترسمه الخرائط لكنه يقوم كاملًا في القلب.
ومن هذا المشهد نتساءل: كيف ومتى تتحول بقعة من الأرض إلى مكان؟
هل يحدث ذلك حين تُبنى فوقها الجدران وترسم عليها الحدود، وهل المكان هو ما نقف عليه، أم هو المكان الذي يستيقظ فينا حين نمر به أو نبتعد عنه أو نفتقده؟

إن الجغرافيا الحديثة تستطيع أن تفسر حركة الجماهير بوصفها انتقالًا عبر المجال، لكنها لا تفسر لماذا تصبح هذه الحركة زحفًا وجدانيًا نحو وطن بعيد مكانيا لكنه قائم في الذاكرة والوجدان .
إنها تستطيع أن تقيس المسافة بين مدينة وأخرى، لكنها لا تقيس المسافة بين مهاجر ووطنه الحقيقي، لا تصدقوا الجغرافيـــا إذا أخبرتكم أن المسافة الآن بين المهـاجر ووطنـه آلاف الكيلو مترات !

وإذا كانت جغرافيا الوجدان تعيد تعريف المسافة فهل تعيد تعريف الزمن أيضًا؟
إذا كانت الشيخوخة تُقاس بعدد السنوات، فلماذا يشيخ بيت في يوم واحد بفقد زوج، أو أم ، بينما تبقى مدينة عمرهــا ألف عــام فتية في قلـوب أهلهــا؟
لعل الزمن، كما المسافة، ليس هو المقياس الوحيد لعمر المكان؛ فبعض الأماكن تشيخ بالغياب أكثر مما تشيخ بالسنين، وبعضها يظل شابًا ما دام الذين يمنحونه الحياة ما زالوا يسكنون فيه .

هنا تبدأ الحاجة إلى مدخل آخر .. مدخل لا يناقض الجغرافيا، بل يستكملها، فإذا كانت الجغرافيا تدرس الأرض كما تظهر في الخرائط، فإن جغرافيا الوجدان تحاول أن تقرأ الأرض كما تسكن في الإنسان.
ومن ثم فإن الحنين ليس عودة إلى الماضي، بل محاولة للعودة إلى جغرافيا لم تعد موجودة إلا في القلب، هنا لا يكون الحنين نزوة عاطفية، بل دليل على أن المكان قد انتقل من الأرض إلى قلب الإنســــان.

تستطيع الخرائط أن تخبرنا أين تبدأ المدن وأين تنتهي، وكيف نعبر من مكان إلى آخر، ولم يكن في ذلك كله خطأ لكنها لم تكن الحقيقة كلها ، ولهذا ظلت هناك أسئلة لا تجيب عنها الخرائط مهما بلغت دقتها:
لماذا يظل كرسي الأب بعد رحيله أكثر حضورًا من كل أثاث المنزل؟
لماذا تستطيع الأقمار الصناعية أن تحدد موقع المنزل بدقة السنتيمتر، لكنها تعجز عن أن تحدد موضع الأم بعد أن ترحل؟

إن الجغرافيـــا تخبرنا أن المكان لم يتغير أما القلب فيخبرنا أن كل شيء قد تغير فأيُّهما نصدق؟
إذا استطعنا أن نقدم الإجابة فلن تكون خرائط القلب خروجًا على الجغرافيا، بل استكمالًا لما سكتت عنه الخريطة ، إنها لا تسأل فقط: أين يقع المكان؟ بل تسأل: ماذا تبقى من المكان فينا؟ وكيف يستمر في الذاكرة بعد أن يتغير أو يغيب أو يفرغ ممن أحببنا؟
هنا لا يعود المكان مجرد موضوع نحدده في مجاله الجغرافي ، بل يصبح أثرًا ندرسه من داخل الإنسان .

اكتب تعليق