دعه ينهض كأن أحدًا لم يَرَه
أمس و في أحد المقاهي، وبينما كان كل شيء يمضي على عادته، فجأة
سقط إلى جوارنا رجل على الأرض.. في لحظة صار جسدًا مسجّى على الرصيف، تحيط به وجوه
مذعورة وأسئلة لا يملك أحد إجابتها.. لم نكن ندري: أهي إغماءة عابرة ؟ أم أن
الرجل قد غادر الحيــاة لتـــوّه، وأننا نقف – الآن- مصادفةً عند هذا الجسـر الفـاصل
بين حضــوره بيننا ورحيله إلى رحمة الله ؟
التف حوله الجميع ، وامتدت إليه الأيـادي لحمله وإسعافه، وبعد
قليل أفاق واستعاد وعيه مسرعاً، ونظر إلى الوجوه المحيطة به كأن شيئًا لم يكن..
حاول الهارعون إليه أن يطمئنوا عليه، وسألوه إن كان يحتاج إلى شيء أو يؤلمه شيء،
فابتسم ابتسامة هادئة ممتلئة بكبرياء رجل قد انهار فيه بغته شيء بداخله لطالما
اجتهد في كتمانه.
أكد لنا أنه بخير، وأخذ في هدوء يرتب ملابسه ويعيد إغلاق أزرار
قميصه التي فُكّت أثناء محاولة إسعافه.. كان يفعل ذلك بسرعة وفي صمتٍ ملفت للنظر،
حتى بدا لي أنه لا يستر جسده بقدر ما يستر شيئًا آخر قد انكشف منه على غير رغبة .
انتهى المشهد لكن شيئًا فيه لم ينتهِ بالنسبة لي ..
لم يكن سقوطه هو أكثر ما استوقفني، بل كان نهوضه. .ذلك الإصرار العجيب على أن يستعيد هيئته سريعًا؛ ويسوي ثيابه،
ويطمئن من حوله، ثم يجلس مرة أخرى لفترة طويلة غير ملتفت إلى أحد.. بدا لي أنه كان
يريد أن يمحو آثــار اللحظة من ذاكرة المكـان بالمبالغة في التماسك وإظهار الصلابة..
وكأن أكثر ما أزعجه لم يكن خيانة الجسد ، بل أن الآخرين رأوه في لحظة خارج الصورة
التي اعتاد أن يقدم بها نفسه إلى العالم في لحظة عابرة انكشفت فيها هشاشته أمام
الزمن وبدون إذن منه .
أدركت أن للإنسان عورات أخرى غير تلك التي يسترها الثوب؛ خوفه
عورة، وعجزه عورة، وانكساره عورة، واحتياجه عورة يخجل من أن يراها الآخرون، خاصة
أولئك الذين قضى عمره أمامهم في صورة الرجل القــــادر، والسند الذي لا يميل،
واليد التي تمتد إلى الجميع ولا تنتظر يدًا تمتد إليها..لكننا مهما أتقنا إخفاء ما نحمله نظل بشـــرًا.
للروح طاقة، وللقلب حدود، وما لا يجد طريقه إلى الكلمات قد
يبحث أحيانًا عن طريق آخر للإفصاح عن وجوده ولو كان بالسقوط .. بالطبع للإغماء
أسبابه الصحية التي تستوجب الانتباه والرعاية.. غير أن المشهد كان كافيًا أن يفتح
أمامي سؤالًا أكبر من سببه الطبي.. بدا لي ذلك عندم أخبرنا ابنه الصغير والمجالس
له على المقهى في حياء أن ثمة شيء يحزن والده .
أدركت أن السقوط ربما لم يبدأ في تلك اللحظة، وإن الإنسان قد
يسقط في داخله مرات كثيرة قبل أن يسقط جسده مرة واحدة أمام الناس ، فثمة أثقال لا صورة
لها.. لا يراها أحد، ولا تظهر في صورة جرح، ولا تحتاج إلى ضماد، ولا يعرف أصحابها
دائمًا كيف يصفونها.
قد يجلس إلى جوارك إنسان يبدو عاديًا تمامًا؛ يحتسي قهوته في
هدوء، يتصفح هاتفه، ويشارك الآخرين حديثهم، بينما تتداعى في داخله عوالم كاملة لا
يسمع أحد صوت انهيارها.. لا أحد يعرف ماذا فقد، ولا ما الذي يخشى فقده، ولا كم
بابًا أُغلق في وجهه، ولا كم حلمًا دفنه ومضى دون جنازة، ولا كم مرة جمع شتات نفسه
في الخفاء ثم خرج إلى الناس بوجهٍ لا يحمل أثر المعركة.
ولعل أشد المآسي ليست فيما يحمله هؤلاء من أثقال بل في أنهم
مضطرون إلى حملها في الخفاء ؛ فهناك أناس لم تمنحهم الحياة حتى رفاهية الإفصاح عن
أثقالهم .
صدقوني ليس كل من قــال: (أنا بخير) هو بخير حقًا !
فقد تكون العبارة
اختصارًا مهذبًا لحكاية لا يريد أن يرويها، أو لا يعرف من أين يبدأ روايتها، أو لو
بدأ في الحديث عنها فإنه يعرف في قرارة نفسه أنه لن يملك القدرة على التوقف، فينكشف
منه ما كان يفضّل أن يبقى بينه وبين نفسه سراً .
علينا أن ندرك أننا نعيش بين أناس نعرف أسماءهم، ووظائفهم،
وملامحهم، وربما تفاصيل كثيرة عن حياتهم، لكننا نجهل جغرافية الألم في داخلهم.. نرى الوجوه، ولكن
لا نرى تضاريس الأرواح..لا نعرف أين تقع مناطق الخوف فيهم، ولا حدود
الخيبات القديمة منهم، ولا تلك المساحات التي هجرتها الطمأنينة من نفوسهم منذ زمن.
.
والأغرب أن الإنسان، كلما تقدم به العمر، يتعلم كيف يخفي
أثقاله ببراعة أكبر، ففي الصغر قد تفضحه الأحزان؛ يتغير وجهه، وتضطرب كلماته،
وتسبقه دموعه أحيانًا إلى البوح بما عجز لسانه عن قوله، ثم تزحف عليه السنــــون شيئًا
فشيئًا، لتعلّمه ذلك الفن القاسي:
كيف يحزن دون أن يراه أحد، وكيف يذهب إلى عمله مثقلًا وكأن
شيئًا لا يثقله، وكيف يجيب عن الأسئلة المعتادة بصوت هادئ، ويشارك في أحاديث عابرة
بينما تدور في داخله أسئلة مرعبة ومصيرية، وكيف يقول: (الحمد لله) بثبات كامل، في
اللحظة التي يكون فيها أحوج ما يكون إلى من لا يكتفي بالإجابة الأولى، بل يسأله
مرةً وألف مرة: هل أنت حقًـــا بخير؟
وهكذا يصبح الصمت لدى بعض الناس ليس عجزًا عن الكلام، وإنما
ضربًا من الستر، بل وطريقةً خفية في الحب؛ فثمة من يصمت لا لأنه لا يجد ما يقوله،
بل لأنه يخشى أن يُحمّل من يحب شيئًا من أثقاله ، يخفي ارتجافه عنهم كي يظلوا هم
أكثر ثباتًا، وأن يكون في أشد حاجته إلى من يحتويه، ثم يجد نفسه هو الذي يفتح
ذراعيه لاحتواء الجميع.. ربما كانت تلك واحدة من أكثر مفارقات الحب
وجعًـــا:
أن تستر عن الذين تحبهم بعض ما يؤلمك، لا لأنك لا تثق بهم، بل
لأنك تحبهم أكثر مما تحتمل أن ترى خوفك منعكسًا في عيونهم أو سريرتهم .
جلس الرجل لمدة ليست قصيرة ثم غادر المقهى.. أما أنا فظللت أستدعي
رؤيته وهو يغلق مسرعاً أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر.
أدركت أن لكل إنسان أزرارًا خفية يغلقها كل صباح قبل أن يخرج
إلى هذا العالم؛ يستر بها خوفًا لا يريد له أن يُرى، وخيبةً لا يرغب في روايتها،
وتعبًا يفضّل أن يحمله وحده.. ثم يمضي بين الناس بملامح هادئة كأن كل شيء في
موضعه، بينما لا يعرف أحد كم من الفوضى كان عليه أن يرتبها في داخله قبل أن يظهر
أمامهم.
ربما كانت الحياة كلها، أو في جانب كبير منها، كانت محاولات
مضنية حاولنا فيها أن نحمل أثقالنا دون أن تسقط منا أمام الآخرين.. لكنها قد تسقط
أحيانًا..في دمعة نهرب بها من مجلس، أو صمت يطول أكثر
مما ينبغي، أو تنهيدة نظن أن أحدًا لم يسمعها، أو يد ترتجف للحظة، أو جسد يقرر
فجأة أن يتوقف حين يصر صاحبه على مواصلة الطريق.
وعندها لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى من يسأله: ماذا بك؟
منذ ذلك المشهد صرت أعتقد أن الرحمة ليست دائمًا أن نسأل الناس
عن أوجاعهم، ولا أن نقترب من كل شرخ نراه في أرواحهم محاولين إصلاحه؛ فالرحمة
أحيانًا أن نصمت، وأن نبتسم، وأن نتغافل، وأن نغضَّ البصر عن لحظة ضعفٍ انكشفت
أمامنا على غير إرادة أصحابها؛ أن نمنح الإنسان فرصةً ليستعيد ستره دون أن نشعره
أننا رأينا ما انكشف منه، وأن نمد إليه يدًا تعينه على النهوض، لا عينًا تلاحق
سقوطه حتى يصبح حكايةً للآخرين.
منذ لك المشهد صرت أعتقد أن أرقى صور الرحمة أن ترى ضعف إنسان ثم تتصرف
كأنك لم تره؛ أن تمنحه ابتسامة عادية لا شفقة فيها، وصمتًا لا فضول فيه، وأن تمد
إليه يدًا تعينه على النهوض، لا عينًا تلاحق سقوطه حتى يصبح حكايةً للآخرين..أن تساعده في هدوء
على إغلاق أزرار انكشافه واحدًا بعد الآخر، ثم تترك له حق العودة إلى العالم
بالصورة التي اختارها لنفسه.
فبعض الستر لا تصنعه الثياب...بل تصنعه عيون تعرف متى تغض البصر، وشفاه تعرف متى تصمت.. وأن سألت أحدهم
كيف حالك ؟ تقبّل كلماته كما أراد لها أن
تصل إليك، وابتسم له في هدوء، وقل:
(الحمد لله .. أنك بخير).

إرسال تعليق