رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن تجديد الحماس و روح المبادرة في فريق العمل:
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
تجديد الحماس و روح المبادرة في فريق العمل:
كيف نحول فريق العمل من مجموعة تؤدي واجباتها إلى فريق يصنع النجاح؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. الحماس يبدأ من المعنى لا من الأوامر
ليس أصعب على فريق العمل من أن يؤدي مهامه يومًا بعد يوم دون أن يعرف لماذا يفعلها، وإلى أين تقوده. فالإنسان لا يتحمس للعمل لمجرد أنه ملزم به، بل عندما يشعر بأن جهده يحقق قيمة حقيقية. لذلك، فإن أول خطوة لتجديد الحماس هي توضيح الهدف المشترك، وربط المهام اليومية بنتائج يعتز بها الجميع. عندما يفهم الموظف أن عمله ليس مجرد ساعات يقضيها مقابل أجر، بل مساهمة في إنجاز أكبر، يصبح أكثر استعدادًا للعطاء والمبادرة.
2. القيادة الملهمة تصنع الفرق
الفريق الذي يعمل تحت قيادة تكتفي بإصدار الأوامر ينتظر التعليمات في كل صغيرة وكبيرة، أما الفريق الذي تقوده شخصية ملهمة فيتعلم التفكير والمبادرة وتحمل المسؤولية. والقائد الناجح لا يكتفي بالسؤال: لماذا لم تنجزوا العمل؟ بل يسأل أيضًا: ما الذي يمنعكم من الإنجاز؟ وكيف أستطيع مساعدتكم؟ إنه يوجه دون أن يخنق، ويتابع دون أن يزرع الخوف، ويحاسب دون أن يهين. فالقيادة الحقيقية لا تصنع أتباعًا ينتظرون الأوامر، بل تصنع أفرادًا قادرين على اتخاذ القرار.
3. التقدير يعيد إشعال الرغبة في العطاء
قد يبذل الموظف جهدًا كبيرًا، ثم يشعر بأن أحدًا لم يلاحظ ما فعله. ومع مرور الوقت، يتحول الحماس إلى أداء آلي، وتصبح عبارة «لماذا أتعب نفسي؟» أكثر حضورًا من الرغبة في التطور. لهذا، فإن التقدير الصادق ليس مجاملة عابرة، بل أداة فعالة لتعزيز الدافعية والانتماء. وقد يكون كلمة شكر أمام الفريق، أو رسالة تقدير، أو الاعتراف بفكرة ناجحة. المهم أن يكون التقدير عادلًا ومحددًا، وألا يقتصر على أصحاب الإنجازات الكبيرة، بل يشمل أيضًا التحسن المستمر والجهود التي لا تظهر نتائجها فورًا.
4. الحرية المسؤولة تطلق روح المبادرة
لا يمكن مطالبة الموظف بالمبادرة، ثم معاقبته كلما اتخذ قرارًا مختلفًا عن الطريقة المعتادة. فالمبادرة تحتاج إلى مساحة من الثقة تسمح للأفراد باقتراح الحلول وتجربة الأساليب الجديدة، ضمن حدود واضحة للمسؤولية والصلاحيات. عندما يشعر الموظف بأن رأيه مسموع، وأن بإمكانه تحسين طريقة العمل دون أن يواجه الرفض التلقائي، يصبح شريكًا في تطوير المؤسسة لا مجرد منفذ لتعليماتها. والمطلوب ليس ترك الحبل على الغارب، بل منح الحرية المناسبة مع تحديد النتائج المنتظرة وآليات المتابعة.
5. الأهداف الواضحة تمنع تشتت الجهود
قد يكون الفريق نشيطًا، لكن نشاطه يتوزع على مهام كثيرة لا تخدم الأولويات الحقيقية. وهنا يضيع الحماس في زحام الأعمال اليومية، ويشعر الأفراد بأنهم يعملون كثيرًا دون أن يتقدموا بما يكفي. والحل هو تحديد أهداف واضحة وقابلة للقياس، وتقسيمها إلى مراحل قصيرة، وتوزيع المسؤوليات بصورة عادلة. وعندما يعرف كل فرد ما المطلوب منه، وما موعد الإنجاز، وكيف سيُقاس النجاح، يصبح العمل أكثر تنظيمًا، وتتحول الطاقة المبذولة إلى نتائج ملموسة.
6. المشاركة في القرار تعزز الانتماء
من الصعب أن يشعر الإنسان بالانتماء إلى قرارات فُرضت عليه دون أن يُستمع إلى رأيه. لذلك، فإن إشراك الفريق في مناقشة المشكلات ووضع الحلول يرفع مستوى الالتزام، ويتيح الاستفادة من الخبرات المتنوعة. فالموظف الذي يواجه المشكلة يوميًا قد يلاحظ تفاصيل لا تصل إلى الإدارة، وقد يقترح حلًا بسيطًا يوفر الوقت والمال. ولا يعني ذلك أن كل قرار يجب أن يخضع للتصويت، بل أن تُمنح الآراء فرصة حقيقية للنقاش، وأن تُشرح أسباب القرارات النهائية بوضوح واحترام.
7. الأمان النفسي يحرر الأفكار
حين يخشى أعضاء الفريق السخرية من أفكارهم أو العقاب على الاعتراف بالأخطاء، فإنهم يتعلمون الصمت وإخفاء المشكلات. وهكذا تبدو الأمور هادئة ظاهريًا، بينما تتراكم الأخطاء وتضيع فرص التحسين. أما الأمان النفسي فيعني أن يستطيع الفرد طرح سؤال، أو الاعتراف بخطأ، أو الاعتراض بأدب، دون أن يتعرض للإهانة. ولا يعني هذا إلغاء المحاسبة، بل التمييز بين الخطأ غير المقصود الذي نتعلم منه، والإهمال المتكرر الذي يحتاج إلى معالجة. فالفريق الذي يستطيع الحديث بصراحة يملك فرصة أكبر للتعلم والابتكار.
8. التجديد يكسر رتابة العمل
الروتين ضروري لتنظيم العمل، لكنه يصبح عدوًا للحماس عندما يتحول إلى تكرار بلا تفكير. ويمكن تجديد النشاط من خلال مراجعة الإجراءات القديمة، وتبادل المهام عند الإمكان، وتنظيم جلسات قصيرة لتوليد الأفكار، وتكليف الأفراد بمشروعات تطويرية صغيرة. كما يمكن تخصيص وقت دوري لسؤال الفريق: ما الشيء الذي نستطيع تحسينه هذا الأسبوع؟ وقد لا تحتاج المبادرة الناجحة إلى ميزانية كبيرة؛ فاختصار خطوة غير ضرورية، أو تحسين طريقة التواصل، أو حل مشكلة متكررة قد يحدث فرقًا واضحًا في الأداء.
9. معالجة الإرهاق قبل المطالبة بالمزيد
لا يمكن مطالبة فريق مستنزف بالطاقة بأن يواصل العطاء بالوتيرة نفسها إلى ما لا نهاية. فقد يكون تراجع الحماس نتيجة ضغط مفرط، أو نقص في الموارد، أو غموض في الأدوار، أو توزيع غير عادل للأعباء. وفي هذه الحالات، لا تكفي الخطب التحفيزية ولا الشعارات المعلقة على الجدران. المطلوب هو مراجعة حجم العمل، وترتيب الأولويات، وتوفير الأدوات اللازمة، واحترام فترات الراحة، والتعامل بجدية مع الصعوبات التي يواجهها الموظفون. فالتحفيز الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يتجاوز قدرته دائمًا، بل يساعده على العمل بكفاءة واستدامة.
10. الاحتفاء بالتقدم يصنع ثقافة النجاح
تجديد الحماس ليس حملة تنشيطية تستمر أسبوعًا ثم تنتهي، بل ثقافة يومية تتغذى من الإنجازات الصغيرة والتعلم المستمر. لذلك، من المفيد أن يراجع الفريق تقدمه بانتظام، وأن يحتفل بتحقيق الأهداف المرحلية، وأن يناقش ما نجح وما يحتاج إلى تحسين. كما ينبغي ألا يُقاس النجاح بالأرقام وحدها، بل بجودة التعاون، وتطور المهارات، والقدرة على حل المشكلات، وتحمل المسؤولية. وعندما يرى الأفراد أن جهودهم تُترجم إلى تقدم حقيقي، يصبح النجاح تجربة مشتركة، وتتحول المبادرة من سلوك استثنائي إلى عادة راسخة.
خاتمة: لا تطلب الحماس، بل اصنع أسبابه
إن تجديد الحماس وروح المبادرة لا يتحقق بكثرة الاجتماعات أو تكرار عبارات التشجيع، وإنما ببناء بيئة يشعر فيها الإنسان بقيمة عمله، وعدالة التعامل معه، والثقة في قدراته، وإمكانية التطور والنجاح.
الفريق المتحمس ليس فريقًا لا يتعب، بل فريق يعرف لماذا يعمل، ويجد من يستمع إليه، ويملك مساحة للتصرف، ويرى أثر جهده في الواقع.
وعلى القائد أن يتذكر أن المبادرة لا تنمو في بيئة الخوف، والإبداع لا يزدهر تحت الإهانة، والانتماء لا يُشترى بالشعارات؛ بل تُبنى جميعها بالممارسة اليومية، والقدوة الحسنة، والإنصاف، والثقة المتبادلة.
المراجع العلمية
Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The “What” and “Why” of Goal Pursuits: Human Needs and the Self-Determination of Behavior. Psychological Inquiry, 11(4), 227–268. — حول الدافعية الذاتية والحاجات النفسية الأساسية.
Edmondson, A. (1999). Psychological Safety and Learning Behavior in Work Teams. Administrative Science Quarterly, 44(2), 350–383. — حول الأمان النفسي والتعلم داخل فرق العمل.
Locke, E. A., & Latham, G. P. (2002). Building a Practically Useful Theory of Goal Setting and Task Motivation. American Psychologist, 57(9), 705–717. — حول تحديد الأهداف وتأثيرها في الأداء

إرسال تعليق